النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11448 الثلاثاء 11 أغسطس 2020 الموافق 21 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

العلاقات الدولية و«الكورونا»

رابط مختصر
العدد 11375 السبت 30 مايو 2020 الموافق 7 شوال 1441

يحدثنا التاريخ عن أحداث جلل وفارقة تغير مجرى الدول والعلاقات الدولية والثورات الكبرى من أيام «ثورة العبيد» وحتى الآن، هذا غير الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي اعقبت الحرب العالمية الأولى والثانية، بجانب التطور في علاقات الانتاج والاكتشافات العلمية والثورات الصناعية الكبرى التي نعيشها متمثلة في عصر الذكاء الصناعي والتواصل بين كل البشر في جميع انحاء الكرة الارضية، عبر شبكة الانترنت، بل والتفاعل بين كل ثقافات العالم من خلال التواصل الاجتماعي، ما جعل العالم الآن قرية واحدة؛ تتأثر معاً بأي حدث يقع في أحد انحائها.

ومن هذه الأحداث ستكون محنة فيروس كورونا في بداية عام 2020 من القرن الواحد والعشرين، احدى الكوارث التي سيتغير بالتأكيد مجرى التاريخ بعدها عما كان قبلها في ترتيب العلاقات بين الدول وبعضها وداخل الدولة الواحدة، مع صعود اقطاب أخرى تؤثر في المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العالمية، ويجتهد الكثير من الكتاب والمفكرين في رصد واستقراء ما سيحدث بعد مواجهة محنة فيروس كورونا.

وفي هذا السياق كتبت د. كريمة الحفناوي (المصدر مجلة الهدف الرقمية): لقد كشفت محنة فيروس كورونا عن هشاشة النظام العالمي السائد منذ نهاية الحرب الباردة في التسعينات من القرن الماضي، وانه لابد من تشكيل نظام عالمي جديد لمواجهة التحديات التي تواجه وتهدد البشرية على المستوى الصحي والاقتصادي والاجتماعي، حيث اصيب الاقتصاد العالمي مع امتداد أزمة الفيروس بالشلل التام نتيجة الاجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدول.

وكشفت ايضاً جائحة الفيروس الوجه القبيح للسياسات النيوليبرالية للرأسمالية المتوحشة والمعسكرة، والتي استمرت عقب الأزمة المالية العالمية 2008 في انتاجها التعسف وتقليص الانفاق على الخدمات وعلى رأسها الرعاية الصحية، والتي كانت من نتيجتها هشاشة وضعف المنظومة الصحية قبل وفشلها في عدد من الدول في مواجهة «كورونا».

ولننتقل لمأساة اشد نتجت ايضاً عن سياسات الدول الكبرى في إطار استنزاف ثروات ونفط الدول النامية، وفي القلب منها المنطقة العربية، وهي مأساة اللاجئين والنازحين نتيجة للصراعات والحروب والعدوان من قبل الولايات المتحدة الامريكية من جهة، والكيان الصهيوني من جهة ثانية.

في نفس الوقت الذي عجزت فيه النظم الصحية للدول الرأسمالية الكبرى عن مواجهة عدو غير مرئي، شرس ويفتك بالانسان نتيجة لتقليص ميزانية الصحة والخدمات، تصدمنا الاحصائيات الخاصة بالانفاق العسكري لتلك الدول الكبرى، فنجد في الولايات المتحدة الامريكية حجم الانفاق العسكري سنوياً 750 مليار دولار، وميزانية الحلف الاطلسي تريليون دولار اما حجم الانفاق العسكري للاتحاد الأوروبي (29 دولة) يبلغ 650 مليار دولار، هل يمكن ان تستمر هذه السياسات بعد محنة فيروس كورونا؟ أم سيتم اعادة النظر في اولويات الانفاق وتكون الاولية هي الانفاق على الصحة والرعاية الطبية والبحث العلمي والحفاظ على البيئة من أجل حق الانسان في الحياة، لا سباق تسلح من أجل تدمير الحياة؟

فيما يتعلق بالولايات المتحدة الامريكية لنرَ معاً كيف تصرف رئيسها ازاء محنة فيروس كورونا، لقد تصرف بعقلية التاجر وكيف يحقق مزيداً من المكاسب السياسية والاقتصادية، ولكن انقلب السحر على الساحر، حيث تبوأت امريكا المركز الاول بين دول العالم من حيث عدد الموتى والاصابات، وعجزت وفشلت امكاناتها الصحية في مواجهة الفيروس، فمن بداية الكارثة تصرف التاجر ترامب من منطق ان «الارباح قبل الانسان»، وتأخر كثيراً في فرض قرارات العزل والحجز واغلاق اماكن التجمعات، لان ذلك يسبب خسارة اقتصادية.

اما على مستوى الدول الأوروبية فإنها اكثر تضرراً من حيث عدد الاصابات والوفيات بسبب اجتياح فيروس كورونا لهذه الدول، وكان من الطبيعي ان تتواصل دول الاتحاد الأوروبي مع بعضها البعض وتتعاون من أجل مواجهة جائحة كورونا، ولكن كشفت الجائحة في بدايتها عن ملامح الوجه القبيح للرأسمالية الكبرى التي تحمل الانانية والفردية ومحاولة الانكفاء على الذات في حل الأزمة.

وعلاوة على ذلك، فان السياسات النيوليبرالية التي ثبت تبنيها لسياسات اقتصادية واجتماعية زادت من اتساع الفجوة الطبقية لدى الشعوب بين الاغنياء والفقراء، وقلصت الانفاق على التعليم والبحث العلمي والصحة لصالح زيادة الانفاق العسكري، فكانت النتيجة العجز في مواجهة ازمة فيروس كورونا وفقدان حياة عشرات الآلاف من البشر، بل والتسبب في أزمة اقتصادية عميقة، فهل ستستمر هذه السياسات دون تغيير لتحقيق العدالة والمساواة والحياة الكريمة للمواطنين وتحقيق الحريات السياسية المرتبطة بالحريات الاجتماعية.

تساؤلات كثيرة تطرحها حفناوي وتعتقد أنه سيجاب عليها في المستقبل القريب، ومن المؤكد ان الحال لن يبقى كما هو، وان العالم سيتغير بعد محنة كورونا، حيث لن يستمر القطب الواحد للرأسمالية المتوحشة المعسكرة في الهيمنة والسيطرة وفرض مصالحه بالقوة والهيمنة على العالم، وستبزغ اقطاب أخرى على رأسها الصين لنشر وسياسات جديدة، تعتمد على المنفعة المتبادلة والتشارك والتعاون مع الحفاظ على سيادة الدول وستكافح الشعوب من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير حقها في الحياة والمعيشة الكريمة، وستجبر حكومات دولها على توفير ميزانيات كافية للصحة والتعليم والبحث العلمي والسكن الصحي والغذاء وتوفير فرص العمل، وستراجع بعض الدول سياستها الاقتصادية لتعود إلى الاعتماد على الانتاج الزراعي والصناعي للاكتفاء الذاتي أولاً، ثم زيادته من اجل التصدير والتبادل التجاري.

العالم في رأيها ورأي الكثيرين بعد محنة فيروس كورونا لن يكون كما كان قبل المحنة، ولكن لن يكون هذا سهلاً، وستستمر الصراعات من أجل محاولة الرأسمالية المتوحشة لمزيد من توطيد دعائم حكمها والدفاع عن سياستها ومصالحها، الامل دائماً في الشعوب الحرة التي تكافح من اجل عالم افضل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها