النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11418 الأحد 12 يوليو 2020 الموافق 21 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

هل يوجد مثقفٌ عضوي بين ظهرانينا؟

رابط مختصر
العدد 11374 الجمعة 29 مايو 2020 الموافق 6 شوال 1441

أكاد أشبّه مثقفنا اليوم بوسطنا الإعلامي والثقافي بحالة ديك القرية المتبختر المنفوش الريش في القصة التي أوردها هنا بهذه المقالة بإيجاز فهي تمثّل وضع رجل الثقافة وإحساسه بأهميته ودوره الذي يُخيّل اليه إنه المحرّك الرئيس لعجلة الحياة الثقافية وربما السياسية، ولولاه لجفّ ضرع الوعي وانحسر أثر الثقافة وساد الجهل في عقولنا، أو هكذا يتوهم.

يذكّرني هذا الحال الغريب بما قاله الشاعر الالمانيّ تيودور فونتانا من ان الديك يظنّ ان الشمس تؤذن بالشروق طيّعة مستكينة حالما تسمع صوته.

هذه قصة متداولة أسردها سريعاً يعرفها الجميع وطالما قصصناها حتى على أطفالنا عظةً وعبرةً لكن لابد من التذكير بها لأنها تتطابق تماما مع الحالة التي نعيشها الآن:

يُروى أن ديك القرية الجميل الطلعة، ذا العُرف الأحمر القاني، الشجيّ الصوت برياشه الحمر الزاهية التي نبتت في أنحاء جسمه قد أصابه الغرور حينما رأى الناس تصحو على صوته اول الصباح وتشمّر عن سواعدها إيذانا بيوم جميل، وكلٌ ذاهب الى عمله نشيطًا معافى يملؤه العزم على مواصلة الحياة فهذا الفلاّح امسك بأدواته وبدأ يحرث أرضه وذاك العامل تفحّص آلته للبدء بتشغيلها وبدا الطالب حازما حقيبته الملأى بالكتب والقرطاسية متجها بهمة عالية الى مدرسته لينهل العلم ويغذي عقله بالمعرفة.

أحسّ الديك بالخيلاء وقال في سرّه: لولاي لما تحرك هؤلاء الناس الى اعمالهم ومزارعهم ومعاهدهم فأنا الصائح المحكي الذي يوقظهم. وقرر في اليوم التالي أن يسكت عن الصداح ظنّا منه انه سوف يشلّ حركة الجموع ويُبقي الناس نيامًا ولا أحد سيتجه الى عمله فرحًا مسرورا.

انتظرَ حتى يجيء الصباح ولم يصدح ولكنه تفاجأ بأن القوم سارعوا في النهوض كعادتهم فخاب أمله حين رأى الجموع تتجه الى أعمالهم ومصالحهم كعادتهم في كل صباح جديد، فعاد كئيبًا الى قِنِّهِ محاولاً أن يعيد النظر بقراره الخائب.

أسوق هذه المقدمة وأنا أرثي لحال أدبائنا ومثقفينا الذين يتصوّرون أنهم المحرّك الأساس لنهوض ونماء ورقيّ مجتمعنا ولا يدري هذا المثقف أن صوته المبحوح قد خفتَ صفيرُه وذبلت أوتاره، فالحيّ لم يعد يستمع لصوته أمام ألسن شيوخ القبائل وزعماء الطوائف ورجال الدين الهائجين على منابرهم ورجال السياسة المنتفخي الاوداج العازفين على أوتار الخلافات المقيتة «العقائدية والعنصرية والحزبية» والتي أقولها بكل أسف إنها بدأت تطرب الحشود في مجتمعنا الواهن الفكر، وصار الملأ يمدّ الرقاب اليها فضولاً ليستمع الى سيّده الشيخ وممتهن الدين وأخذت اللأعناق تشرئب الى أصواتهم اصغاءً. والمضحك المبكي أن مثقفنا المسكين قد وَرَمتْ حنجرته من العويل والصياح حتى شُلّ لسانه ولا أحد يسمع ما يقول حتى سكن صوته تبرّمًا وتشتت سامعوه متفرقين عنه وتركوه واصطفوا الى جانب ذاك السياسي الطائفي والشوفيني القومي والقبلي الذي يشدّ الأسماع ويلهب القلوب ويهيج النفوس والعقول والقلوب.

مسكين صديقنا المثقف، ترى ما الذي سيفعله أمام هذه السيول الطائفية العمياء والاصطفاف المذهبي والعشائرية التي تكتسحنا والتي أؤكد أنها ستجرفنا الى هاوية سحيقة سيكون من الصعب ارتقائها لو دامت في نفوسنا ومشاعرنا بمثل هذا الشكل الذي نراه الآن.

هل ثمة مثقف عضوي يستطيع الآن الثبات في أرض آيلةٍ للخسف؟؟ أقولها بملء فمي: لا، على الأقلّ في الوقت الحاضر مادامت الصراعات المذهبية الفجّة قائمة وتتغذى حدّ الإشباع والتخمة من أناس يسمونهم قادة لكتل سياسية ودينية تعتاش على تلك النفايات الفكرية التي نبذتها المجتمعات المدنية المتحضّرة منذ أمَدٍ طويل والتي ما عادت تشكّل بضاعة رائجة الاّ في بلادنا المبتلية بتلك النماذج المنتفعة بآلامنا وهمومنا الكثيرة.

لو كان وزير الإعلام النازي «غوبلز» بين ظهرانينا الآن لأشارَ دون أن يتردد لحظة واحدة حينما يذكر اسم مثقفنا اللاعضوي: كلما ذكر اسم المثقف العربي لمددتُ يدي الى مؤخرتي استهزاءً وتصغيرا.

حقًا إن أخفتَ الأصوات لصوتُ المثقف.

 

- بالاتفاق مع «إيلاف»

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها