النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11440 الإثنين 3 أغسطس 2020 الموافق 13 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:36AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:24PM
  • العشاء
    7:54PM

كتاب الايام

الرأسمالية ليست نمرًا من ورق! 3-2

رابط مختصر
العدد 11373 الخميس 28 مايو 2020 الموافق 5 شوال 1441

خلال تلك القرون الخمسة ولدت في جنين الراسمالية الافكار الاشتراكية الطوباوية، ونمت وتصارعت الافكار التنويرية، وبزغت العلوم وثورة التصنيع العظيمة، بل وجاءت فيما بعد الافكار الاصلاحية ونشوء البرلمانات بعد ان شهد النظام الراسمالي عصر الثورات المرعبة (1789-1848). هكذا سيكون جنين الراسمال وتراكمه حتى تحول الى امبريالية جديدة على انقاض الراسمال الواهن وزوال الكولونيالية القديمة بولادة كولونيالية جديدة لن تتوقف على مدى قرون عن النهب والاستغلال بطرق جديدة ومختلفة.

ونقل النظام الراسمالي رغم وحشيته شعوبا واقواما من عهود الظلام والتخلف والامية الى عصر الآلة والحضارة والرعاية الاجتماعية ونسف تلك العلاقات الظلامية لمرحلة ما قبل المجتمعات الاقطاعية بتقطيع اواصر السلالات في الصين والهند وايران وتهديم اسوارها وحصونها، وبتدشين بنية السكك الحديدية والطاقة الجديدة والاكتشافات العلمية المبهرة، والتي أحدثت انقلابا فعليا في العقل البشري.

وبفضل النظام الراسمالي تشابك العالم بالرغم من دخول القارة الاوروبية حربين عالميتين، وعرفت شعوب كثيرة في القارات الاربع حركات تحررية وطنية وحروبا اهلية سوف تدشن كما فعلت من قبل اوروبا الناهضة الدولة القومية الفتية وسيتم ترسيم وتقاسم البلدان والحدود، وبفضل النظام الراسمالي العالمي تم كنس وإزالة النظام الاستعماري الاستيطاني القديم وبروز ظواهر جديدة على عتبة نهاية القرن التاسع عشر.

في عام 1900 لم تتراجع قوة ونفوذ الراسمال إنما شكلت المرحلة «الامبريالية» مرحلة مختلفة من الهيمنة على مصير العالم فشهد النظام الراسمالي العالمي المزيد من القوة والنفوذ باندماج الراسمال المصرفي بالراسمال الصناعي، وستنتج الراسمالية عندها الحروب ما بين الضواري الجدد لتكون الحرب العالمية الاولى اول ملامحها (1914-1918) ليدخل العالم القرن العشرين بسمات جديدة ابرزها تشكل بؤر ثورية في القارة الاوروبية وخارجها تكون الثورة البلشفية الروسية عام (1917-1918) باكورة المواجهة الجديدة بين الثورات الفتية والنظام الراسمالي العالمي، حيث شكل ولادة نظامين عالميين وقطبية جديدة تتجاذبان الصراع والشعوب والبلدان والثروات كمرحلة جديدة في الوضع العالمي شكلت ملامحه. كان من الضروري تحديد سمات ذاك العصر المنبثق من بين انياب الحرب العالمية الاولى فكتب لينين عندها كتابه عام 1916 عشية نيران ولهيب الحرب «الامبريالية اعلى مراحل الراسمالية» ليحدد ان الراسمالية لم تضعف او تتراجع وانما تطورت الى مرحلة اقوى واعلى واكثر هيمنة وقوة دولية على مساحات كبيرة من الكوكب، كما ان شكل الكولونيالية القديمة توارت الى شكل جديد اخذ صيغ مختلفة، فقد بات تغلغل عالم الراسمال اهم بكثير من تغلغل الجيوش واستنبات قواعد عسكرية فشكلت الظروف السلمية مرحلة مهمة في العلاقات بين البلدان بدلا من استنزاف القوى العظمى ثرواتها وميزانياتها على مناطق معينة فصار من الضروري فيها خلق حروب بالوكالة، ليتقنع النظام الراسمالي العالمي بكمامات الديمقراطية وحقوق الانسان والنيوليبرالية ليصبح نموذجا بديلا عن راسمالية المرحلة المبكرة من عصر الاستعمار. 

ومن عصر الذهب والفحم والتوابل الى عصر النفط والطاقة والاعلام، ومن عصر الاسواق والسلع المحدودة الى عصر الاسواق والسلع المفتوحة الاكثر تطورا وتعقيدا فشهد العالم التنافس والصراع والقطبية على مدار سبعة عقود (1917-1998) بين النظام الاشتراكي الجديد بقيادة الاتحاد السوفيتي والنظام الراسمالي العالمي بزعامة الولايات المتحدة الامريكية. لم يتراجع او ينهزم النظام الراسمالي العالمي خلال تلك العقود من القرن المنصرم رغم انه تواجه مع عدة محاور وشهد عدة حروب وازمات اقتصادية وكوارث بيئية وانسانية، فقد تصاعد سباق التسلح واتسعت الاسواق وتنوعت السلع في «المجتمع الاستهلاكي» وقطعت الانسانية وحضارتها المزيد من الانجازات العظمى في حقول العلم والمعرفة، ودخلت مرحلة الثورة التقنية والجينية ذروة تقدمها، بالرغم من كل ما خلفه وخلقه نظام الراسمال العالمي من تدمير وسلبيات وتخلف لشعوب كثيرة، فهو في الوقت ذاته، جعل من المجتمعات الانسانية اكثر ترابطا وتعاونا وصراعا على المصالح المتبادلة. كثيرا ما انهارت امبراطوريات، وكثيرا ما صعدت تلك القوى العظمى لعوامل قوتها الاقتصادية وحفاظها على التوازن ما بين امكاناتها الاقتصادية وجبروتها العسكري ونفقاته الهائلة.

وباختلال تلك المعادلة تتخلخل وتتقلص قدرات تلك القوى اما بالتراجع عن نزعتها العسكرية التوسعية او البحث والحفاظ على مواردها وقدرتها الانتاجية والاقتصادية ومتطلباتها نتيجة ذلك التوسع. لقد كانت الورطة الفيتنامية للولايات المتحدة درسا ونزيفا لذلك الاستنزاف لم تتعلم منه الامبراطورية السوفيتية في تورطها في كابول وافريقيا فكان لابد ان تنهار بكل سهولة «الامبراطورية الاشتراكية!» حسب التعبير الصيني يومها، ليبقى النظام الراسمالي العالمي يواصل صيرورته التاريخية حتى إشعار آخر بقدرته على استبدال جلدته في كل مكان ومرحلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها