النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11452 السبت 15 أغسطس 2020 الموافق 25 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

الـــــدروس والعِبــــــر..؟!

رابط مختصر
العدد 11371 الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 3 شوال 1441

 كثيرة هي الدروس والعِبر التي ينبغي أن تستخلص من الحالة الراهنة التي فرضها فيروس «كورونا» وحربه الشرسة على البشرية، قيل بأن الأيام القاسية تعطي دروسًا، وإذا كانت هناك قراءات وتحليلات وتوقعات مختلفة لمرحلة ما بعد الفيروس، إلا أن ثمة شبه إجماع بأن هذا الفيروس الذي وضع العالم في موقف العاجز الذي لا حيلة له، حتى الآن على الأقل، ألزمنا وسيلزمنا العمل والتفكير بطريقة مختلفة، وفرض علينا وسيفرض لاحقًا إعادة حساباتنا، وترتيب أولوياتنا، دولاً، ومجتمعات، وأفرادًا.. وكلام صائب القول بأن ما قبل كارثة «كورونا» لن يكون ما بعده..!

لسنا في وارد التنبؤ بما سيكون عليه الوضع المستقبلي على مجمل الأوضاع، وإن كان هناك أصحاب اختصاص ومراكز أبحاث ودراسات وعلوم أخذوا على عاتقهم هذه المهمة لبحث طبيعة مدى تأثيرات هذه الكارثة وما شكلته وستشكله من تحولات مفصلية، على المجتمعات، والدول، والسياسات، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، والعلاقات الإنسانية، وباتوا منشغلين في رسم سيناريوهات عدة متوقعة.

على سبيل المثال لا الحصر، فإن من أهم الدروس والعِبر التي يمكن استخلاصها، هو أن هيبة ومكانة وقوة أي دولة لا ترتبط بقدراتها وإمكاناتها وتحالفاتها وضخامة أساطيلها العسكرية، ومكانتها عالميًا، ولا بنظرة استعلائها للآخرين، ولا بنبرة احتكارها الحكمة في تعاملها مع الدول الأخرى، بل بمدى قدرتها على توفير المتطلبات الكريمة للقاطنين فيها من مواطنين ومقيمين، ومن أهمها؛ خدمات صحية لائقة، وتعليم متطور، وحركة علمية وبحثية، وأمن غذائي، وأمان اجتماعي، وإدارة تحسن الإمساك بزمام أي أزمة وقادرة على فتح الآفاق أمام الإيجابيات.

 

علاوة على ذلك، يمكن أن نستخلص بأن العولمة لابد أن يعاد النظر فيها، بحيث تراعي البعد الإنساني بإعطاء القدر اللازم من الاعتبار للقيم الإنسانية والتخلي عن التركيز على كل أوجه الاستغلال والاستحواذ والهيمنة على مقدرات وثروات ومستقبل الشعوب.

بالنسبة لنا، في بلادنا، الدرس الأول الذي نستخلصه في هذا الظرف الاستثنائي، إن البحرينيين بكل مكوناتهم أثبتوا أنهم ينبضون وطنية، حين أظهروا معدنهم الطيب في حبهم للبحرين، وتجلى ذلك في الموقف الرافض بحزم تجاه من أراد أن يحول الأزمة الى فرصة، ومن أراد لنا الاستسلام للمشيئة الانتهازية والطائفية وخلق حالة من التقاطع، والمعدن الطيب تجلى كذلك في وقفة البحرينيين وتجاوبهم مع الحملات الداعمة والمساندة، والتبرعات المالية والعينية، ومبادرات الخير، ومظاهر التكافل الاجتماعي للأسر الفقيرة والأكثر احتياجًا، والانخراط في فرق التطوع، واستحضار كل ما يعبر عن الاصطفاف الوطني والمعاني التضامنية التي ليس لها أي قيمة إلا حين تكون على المحك، أي حين تترجم على أرض الواقع، أي حين تكون قوى وأطياف المجتمع مشاركة عمليًا في ملحمة وطنية تمثل انحيازًا للوطن. 

درس آخر أراه يتجلى في تأكيد المؤكد، وهو أن الأزمة أكدت مدى الحاجة للمضي بمنتهى الجدية وبأسرع وقت ممكن في تحديث وتطوير الدولة بشكل مكتمل الشروط والمواصفات عبر هدف عنوانه الكفاءة، والإصلاح الإداري الحقيقي والإيمان بأن إي تطور او نهوض بالمجتمع لن يتم إلا بالاعتماد على أصحاب العلم والاختصاص وكل من يشكلون عضد الوطن وموضع فخره، وعدم المساومة على قواعد الكفاءة وعلى قيم التغيير والتطوير والسماح لها بالتدفق دون عراقيل للإيفاء بمقتضيات المرحلة المقبلة.

لا ننسى أن أزمة كورونا أبرزت كثيرين في مواقع شتى من مواقع العمل والمسؤولية أثبتوا أنهم عنوان للكفاءة والخبرة والتميز والإخلاص والعطاء وحسن الأداء في التعامل مع الأزمة، وبالمقابل كشفت عن فاشلين أثبتوا، وهم اليوم يثبتون مجددًا أنهم أعجز من أن يكونوا جديرين بمواقعهم، وبالمسؤوليات المنوطة بهم، أسوأهم أولئك الذين يسايرون ويواكبون في المظهر ويماطلون ويعرقلون في الجوهر، وبات علينا في مرحلة ما بعد كورونا أن نؤمن حقًا وفعلاً بأن البحرين في المرحلة المقبلة يجب أن تركز على، حسن اختيار أي مسؤول في كل مواقع المسؤولية، وأن يكون الاختيار مرتكزًا على الأدوات والمعايير التي من شأنها أن تخلق كل إطارات النجاح والتطور، وهذا يقتضي إعطاء الفرصة والاعتبار المستحق لكل صاحب كفاءة وتخصص وعلم وديناميكية وإبداع، وليس أولئك الذين يبحثون عن شماعات تعينهم على التنصل من إخفاقاتهم، باختصار نحن لسنا بحاجة الى إصلاح إداري بل إعادة هيكلة ادارية عميقة الجذور والأبعاد تمس العواميد الذي يقوم عليها أي بناء، وهذا يعني أن عملاً كبيرًا ومهمًا ودقيقًا وحساسًا ينبغي أن ينجز..

درس ثالث يتجلى في ضرورة إجراء معاينة حقيقية لأوضاعنا المالية والاقتصادية للمرحلة المقبلة على أن يتم عبر حوار تشارك فيه كل الأطراف المعنية، حسن المعاينة هو الخطوة الدافعة للبدء في مرحلة جديدة أساسها إصلاح اقتصادي يستهدف تغييرًا وتطويرًا في السياسات والإجراءات والوسائل والأولويات والرؤى وبناء روحية شراكة جديدة مع القطاع الخاص، والمواجهة الجريئة التحدي الأكبر الذي يواجه أي إصلاح ويعيق التنمية وهو آفة الفساد..

درس رابع من دروس الأزمة، عنوانه التعليم الذي ينبغي أن يوضع في صدارة أولويات مرحلة ما بعد الأزمة، وتجاوز اختزال عملية التطوير في «التابليت» او التعليم «أون لاين»، هذا الأمر ليس الوحيد في عملية بالغة التعقيد، المختصون أدرى بها وبكل مقومات ولزوميات إيجاد نظام تعليمي يجعل مخرجاته مرتبطة فعليًا بكل قيم العلم والإبداع ويفتح آفاق جديدة للمستقبل ويرتبط فعليًا باحتياجات سوق العمل وتطور احتياجاته ومتغيراته، هذا هدف ينبغي أن يتصدر اهتمامات المرحلة المقبلة، بشكل محسوب وصائب ودؤوب لا يعتريه انقطاع ولا تردد ولا نكوص ولا تراجع ولا تشويه ولا انحراف عن هذا الهدف الحتمي الذي يفترض أن يكون منشودًا على الدوام..

 

بقية الدروس يمكن أن نستخلصها بما يمكن اختزاله في عناوين مثل التنمية البشرية، تكافؤ الفرص، إصلاح سوق العمالة، البطالة وإعادة الاعتبار للبحرنة في السوق، الخلل في التركيبة السكانية، العدالة الاجتماعية، مجتمع مدني فاعل وغير مكبل، الفساد، إلى آخر القائمة.

إن التنبؤ الدقيق بما هو قادم أمر صعب ولكن الذين يستشرفون المستقبل يدركون أن هجمة وباء كورونا 2020 سوف تظل علامة فارقة في حياتنا، الحسابات والرهانات اختلفت، والتوقعات مفتوحة على كل الاحتمالات والأعاجيب، والأمر المؤكد أن عالم ما قبل كورونا لن يكون كما بعده، وأن التفكير في المستقبل يتطلب يقظة لمرحلة سيكون الثمن فيها باهظًا إذا اقتصر الحديث عن المستقبل على كلمات وخطب وتصريحات وبيانات تلقى أو تصر في المناسبات ولكنها لا تغّير من واقع الحال شيئًا، وهذا يعنى أن صنّاع الماضي لا يمكن أن يكونوا صنّاع المستقبل..!

المهم الضروري، اللازم والواجب، أن نعي بأن المراجعات والتصويبات باتت ملحة وضرورية الآن.. والآن تعني الآن، أما أن نعود كمــا كنا فذلك يعني أننا لم نفهم الدروس ولم نستوعب العِبر..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها