النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الرأسمالية ليست نمرًا من ورق! 1/‏3

رابط مختصر
العدد 11370 الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 2 شوال 1441

أثارني قبل مدة الكم الهائل من التصورات الواهمة لمرحلة ما بعد الكورونا، ولا زالت تتكرر أسئلة تند عن ضآلة الفكر الشاحب والعقل الضامر العاجز عن قراءة التاريخ بمنهجية نقدية والغوص بعمق في خطوات تلك المسيرة الإنسانية الطويلة ومراحلها، التي مرت عليها أحداث تراجيدية كبرى ولكنها لم تستطع تدمير بنية النظام السياسي والاقتصادي للرأسمالية بتلك السهولة المتوهمة، فالهزات والأزمات الكبرى بكل عنفوانها كل ما تفعله أنها تعيد حسابات ذلك النظام العالمي. نستعيد السؤال المتداول إعلاميًا واجتماعيًا في منتديات المجتمع في مرحلة وباء كورونا وبأن العالم ما بعد كورونا لن يكون مثل عالم ما قبل كورونا؟!

لنوضح أن النظام العالمي الجديد ليس مجرد باخرة ضخمة كسفينة تايتانك غرقت في البحر وبهذا الغرق والخسارة الإنسانية توقفت عجلة الكون والحياة وتبدلت بكل بساطة مكوناتها ومساراتها وليس مجرد أعاصير تضرب هنا أو براكين وزلازل تتفجر هناك معناه أن البشرية توقف قلبها عن النبض والحيوية والانبعاث. هكذا يتعامل النظام الرأسمالي كنظام اقتصادي وسياسي وثقافي وحضاري مع ظواهر كبرى مؤثرة كل نصف قرن ويضع لتلك الأزمات والمشاكل اسس جديدة واعمدة اقوى لكي يقف عليها ذلك النظام العالمي الذي يقوده الرأسمال بكل خبرة واقتدار ومعرفة. يمر على النظام الرأسمالي العالمي أكثر من خمسة قرون منذ أن تم التأريخ لولادة هذا النظام الكوني عام 1500 ليتواصل حتى عام 2020 وهي لحظة راهنة تسببت مؤقتًا في شلل كيان النظام الرأسمالي ولكنها لم تستطع خنقه وقتله واستبدال تلك العلاقات الإنتاجية القائمة على منظومة كاملة من العمل ورأس المال. ذلك النظام الراسمالي خلال قرون عديدة مرت عليه أمبراطوريات متنوعة كالهولندية والبرتغالية والأسبانية والبريطانية والفرنسية والعثمانية والقيصرية وتصارعت وانهارت الواحدة تلو الأخرى لتتقاسم القوى المنتصرة أملاك الأمبراطوريات المهزومة وتتحول إلى دول من الدرجة الثالثة كالأسبانية والبرتغالية، لتبقى تناطح بعضها البعض في صراعات المصالح أولاً في المستعمرات وثانيًا في القارة الأوروبية ومناطق المتربولات، لنشهد كم كان قادرًا النظام الرأسمالي كنظام عالمي في الاستمرار في النهب والسلب في مناطق جديدة وتراكم رأسماله دون خشية من شيخوخته التي يتم تجديد شرايينها من خلال «شيطان» رأس المال المتحول والمتغير دومًا من عملية إلى أخرى، فالرأسمال صنع عوالم عديدة، والتجارة وبواخرها من نتاجه بل وشركات التأمين ومصارفه من اختراعه بل وخلق من حوله وفي مواجهته طبقات اجتماعية وجامعات وليبرالية وفئات وصفوة من التكنوقراط والمهن العديدة كالمصرفيين والمحاسبين والمحامين والجيش والأمن والقضاة.

صنع عالم الكشوفات الجغرافية والبواخر البخارية والطباعة بعد أن استغنى عن أمبراطورية السفن الخشبية بمدافعها القديمة. فتح أبوابًا ونوافذ من تجارة العبيد ليكرس عالمًا جديدًا من العبودية القديمة لعبودية جديدة مرتبطة بقارة وجلدة بشر يتم بيعهم في أسواق النخاسة. لقد انتهت منذ زمن بعيد التشكيلة الاجتماعية للمجتمع العبودي على انقاض المجتمع الإقطاعي الذي في أحشائه كانت تنمو في أواخر عهوده بذور ولادة طبقات اجتماعية أخرى جديدة كالبروليتاريا الناهضة والبرجوازية التنويرية التي ستضع حدًا لعالم تجارة العبيد في مناخ مجتمعات ليبرالية تنويرية وأفكار راديكالية لن تقبل بمواصلة ذلك النهج الوحشي في عصر مختلف ولمسارات أطول في حضن الحضارة الجديدة، بعد انهيار الأمبراطوريات التقليدية في التاريخ، وكانت نموذجًا عاصر تشكيلتين؛ هما المرحلة العبودية والإقطاعية، وقد تداخلتا أحيانا تلك التشكيلتان في نماذج وموديلات الأمبراطوريات الشرقية كالفارسية والصينية والهندية بخلاف النموذج الأوروبي الإغريقي والروماني.

 لم تكن الثورة الفرنسية (1789) وحدها الانقلاب الكوني للأفكار والثورات والتغيير، ففي الوقت ذاته كانت في العالم الجديد فيما وراء المحيط تولد حضارة أوروبية جديدة مختلفة كنسخة عن جذورها القديمة، حيث ستشهد أمريكا الشمالية حروبًا أهلية وحروب الاستقلال ليولد منها حروب استعمارية لاحقة للوريث الجديد وتكون أمريكا الجنوبية أولى الضحايا والمكسيك هي ذروة هذا النموذج الاستعماري الاستيطاني فيما راح تجار العبيد البيض يمارسون في الداخل نهج الإبادة والدموية لكي تخرج لنا صورة جديدة زاهية وقوة عظمى لعالم الرأسمال من قلب الوحشية الحضارية الجديدة. في قلب ذلك الجانب السلبي لمسارات التاريخ يولد ما هو نهضوي وتنويري من جدلية الصراع التاريخي ذاته في النظام الرأسمالي العالمي، بعالم الحداثة وما بعد الحداثة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها