النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11487 السبت 19 سبتمبر 2020 الموافق 2 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

بابا حطاب.. آسر قلوب أطفال الخليج

رابط مختصر
العدد 11369 الأحد 24 مايو 2020 الموافق غرة شوال 1441

 خصصت بعض الإذاعات العربية منذ تأسيسها برامج للأطفال، واعتمدت هذه البرامج على تقديم الحكايات والقصص الشعبية والأناشيد. إلا أن أهميتها عند الأطفال تراجعت بظهور التلفزيون؛ كون الأخير يمتلك خاصيتي الصوت والصورة معًا.

تعلق الصغار بمقدمي أو مقدمات هذه البرامج وصاروا يطلقون عليهم بابا فلان أو ماما فلانة. ففي مصر كان أول من اشتهر على هذا الصعيد «بابا صادق» زمن إذاعة شركة ماركوني التلغرافية اللاسلكية التي أسندت إليها الحكومة المصرية في يوليو 1932 إدارة الإذاعة المصرية وتشغيلها وصيانتها وتدريب كوادرها، من بعد حقبة بدأت في عام 1926 كانت السيطرة فيها لإذاعات أهلية تجارية محدودة القوة والإرسال تحت مسميات مختلفة. لاحقًا جاء محمد محمود شعبان الشهير بـ«بابا شارو» (توفي عام 1999) الذي عمل بالإذاعة المصرية مقدم برامج ومذيعًا، وقادته الصدفة وحدها ليكون أحد أشهر مقدمي برامج الأطفال في مصر. وفي مصر أيضًا اشتهرت نجوى إبراهيم (قبل أن تصبح نجمة سينمائية) بتقديم برنامج «أجمل الزهور» من التلفزيون المصري، وصارت تـُعرف عند أطفال الثمانينات بـ«ماما نجوى». وقدمت ماما نجوى برنامجها الذي شكّل وجدان الكثير من أطفال مصر، في قالب غنائي خفيف مبتكر، من إعداد شنودة جرجس، بينما تولّى كتابة الأغاني عبدالسلام أمين وقام بتلحينها هاني شنودة. 

 

بابا حطاب مستضيفًا الأمراء الواليد والمعتز وشقران

 

وفي العراق، الذي انطلق منه صوت «هنا بغداد» لأول مرة في الأول من يوليو 1936 إيذانًا ببدء إرسال الإذاعة العراقية الثانية من بعد إذاعة قصر الزهور الذي أسسها وأدارها من داخل قصره الملك غازي بن فيصل (توفي عام 1939)، كانت للأطفال حصة ضمن برامج الإذاعة. وكان أول من تولى تقديمها هو عمو كريم (الفنان كريم مجيد) الذي لم يستمر طويلاً فحل مكانه عمو محجوب، ثم تلاه في عام 1938 عمو زكي (الفنان زكي مكي الحسني)، والذي صار لاحقًا معدًا ومقدمًا لأشهر برامج الأطفال المتلفزة بعد افتتاح تلفزيون بغداد في صيف 1956، ونعني بذلك برنامج «جنة الأطفال»، علمًا بأن ولع عمو زكي ببرامج الأطفال ورواية الحواديت لهم كان مكتسبًا من والده الذي عـُرف برواية القصص لرواد مقهى الفضل البغدادي.

وفي الإذاعة السعودية، التي بدأت البث من جدة في الأول من أكتوبر 1949 تحت اسم «إذاعة مكة المكرمة»، برز لجهة تقديم برامج الأطفال كل من بابا طاهر (الشاعر طاهر زمخشري) وماما أسماء (الشريفة أسماء زعزوع) التي انضمت إلى الإذاعة سنة 1962 مع زميلتيها نجدية إبراهيم الحجيلان وفاتنة أمين شاكر، من بعد اكتسابها خبرة من عملها في القسم العربي بإذاعة عموم الهند، إذ كان يعمل زوجها الأديب عزيز ضياء مذيعًا ومقدمًا للبرامج، وظلت ماما أسماء على علاقة ببرامج الأطفال وصغار السعودية حتى العام 1985.

وفي الكويت التي تأسست الإذاعة فيها سنة 1951، على يد المرحوم مبارك الميال نتيجة لاستغناء إدارة الأمن آنذاك عن جهاز لاسلكي بقوة نصف كيلوواط، لم تظهر أي برامج خاصة للأطفال إلا في النصف الثاني من عام 1960. وقد اقتصر الأمر حينذاك -بسبب عدم توافر الامكانات والخبرات- على برنامج يتيم باللهجة المحلية مدته ربع ساعة بعنوان «ركن المرأة والطفل»، كان معظم محتوياته إرشادات ونصائح حول الأمومة وليست لها علاقة بتثقيف الطفل أو الترفيه عنه. غير أن الأمر تغير بعد تدشين تلفزيون الكويت الرسمي عام 1961، إذ برزت أنيسة محمد جعفر الشهيرة بـ«ماما أنيسة» مقدمةً لأول برنامج تلفزيوني للأطفال، وأيضًا للعديد من برامج الأطفال الإذاعية. وقد استثمرت ماما أنيسة في عملها خبراتها التربوية بوصفها مدرسة سابقة لرياض الأطفال والمرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وحضورها القوي في المجتمع، ورهافة حسها تجاه الطفولة، الأمر الذي خلق لها شهرة معتبرة على مستوى الخليج، وجعل أطفال المنطقة يتعلّقون بها.

 

بابا حطاب في أثناء تصوير إحدى حلقات برنامجه في الستينات

 

أما في البحرين فقد كانت الشهرة في هذا الميدان من نصيب «بابا ياسين» (الفنان المسرحي محمد خليفة حسن ياسين) الذي كان يبدأ برنامجه بتوجيه الأطفال بالابتعاد قليلاً عن الشاشة حفاظًا على صحة عيونهم قائلاً: «بعــّد عن التلفزيون شوي.. إنت ياللي تطالعني.. بعــّد شوي». والحقيقة أن تاريخ الرجل في هذا الميدان ترجع بداياته إلى أبوظبي. فحينما انتدب إلى هناك للعمل مدرسًا عام 1970 انتهز الفرصة والتحق بالعمل الاذاعي ومنه تسرّب إلى التلفزيون. دعونا نقرأ تفاصيل ذلك على لسانه في حديثه لصحيفة «الأيام» البحرينية (11/‏3/‏2016). قال بابا ياسين (بتصرف): «في أبوظبي دخلت إلى عالم العمل في الإذاعة، وكان يرأسها حينها يوسف سعد (بحريني الأصل)، فكانت بدايتي مع (سوالف بوسعد وأم سعد) التي كانت تذاع كل جمعة، ويخرجها ويكتبها محمد جناحي، وكنت أستلم عن كل حلقة من 5 إلى 7 دنانير، وقدمت لاحقًا مسلسل الببغاء المسحورة، والذي كان بوابة عبوري إلى تلفزيون أبوظبي، إذ نال مع البرنامج الذي سبقه، استحسان المستمعين والمسؤولين، وأتاحت لي فرصة الحصول على عرض للعمل في التلفزيون، وتحديدًا برنامج نادي الأطفال، والذي كان يستمر لمدة ساعة كاملة ويشارك فيه الأطفال. واقترح عليّ حينها مدير التلفزيون د. عبدالله نويس ارتداء الزي التقليدي الإماراتي مع العمامة ووضع لحية مستعارة، كي أجسّد كاركتر رجل عجوز؛ لأن هناك من يتحفظ من أولياء الأمور على وجود أطفالهم الإناث مع رجل غريب، ولكنهم سيتقبلون ذلك مع رجل كبير في العمر. وكان يعد البرنامج علي المحميد من العلاقات العامة في وزارة التربية والتعليم، وأعددت البرنامج بنفسي لفترة أيضًا».

على أن كل ما سبق لا يوازي شهرة برنامج تلفزيوني أثير لا يزال هو ومقدمه، رغم تقادم السنين، قريبين من قلوب رجال ونساء شرق السعودية وبعض أقطار الخليج المجاورة ممن شاركوا فيه يوم أنْ كانوا أطفالاً صغارًا. والإشارة هنا، بطبيعة الحال، إلى برنامج ركن الأطفال الذي قدمه على مدى 11 سنة متواصلة الرسام والخطاط والمذيع والمخرج والمدبلج المرحوم جميل حطاب، أو «بابا حطاب»، من محطة تلفزيون أرامكو بالظهران. تلك المحطة التي بدأت البث في سبتمبر 1957 فدخلت التاريخ بوصفها ثاني محطة تلفزيونية ناطقة بالعربية على مستوى الشرق الأوسط من بعد تلفزيون المملكة العراقية من بغداد الذي دشن بثه في صيف عام 1956.

 

بابا حطاب يروي حكاياته لمجموعة من الأطفال

 

كان من ضمن أهداف تلفزيون أرامكو التوعية والتثقيف والترفيه في آن، فبدأ رغم قلة الإمكانات والكوادر الفنية المؤهلة آنذاك بتقديم حزمة من البرامج المحلية المعدة بأيدٍ سعودية وعربية، مثل البرنامج التوعوي الصحي «صحتك»، وبرنامج السلامة المهنية «السلامة تبدأ بك»، وبرنامج المسابقات «المباراة الثقافية بين المناطق الثلاث»، والبرنامج الأدبي «زاوية الكتب»، والبرنامج الحواري «فنجان قهوة». وعززت المحطة برامجها هذه بعرض مجموعة منتقاة من الأفلام المصرية وأفلام هوليوود، إضافة إلى العديد من المسلسلات الأمريكية وحلقات المصارعة الحرة وغيرها. وسرعان ما رأى القائمون عليها ضرورة تقديم برنامج خاص بالأطفال يدخل البهجة إلى قلوبهم من خلال سرد الحكايات التاريخية والقصص المسلية ذات العبرة والمغزى، وتقديم الجوائز التشجيعية، وعرض بعض الفقرات المسلية وخلافها.

اختارت المحطة لهذا الغرض موظفًا من موظفي دائرة العلاقات العامة بشركة أرامكو هو جميل حطاب، خصوصًا أنه كان ذا شخصية مرحة محبة للأطفال، ناهيك عن امتلاكه لموهبة الرسم التي كانت ضرورية لإضفاء طابع مبتكر للبرنامج، من خلال رسم شخصيات الحكايات والقصص التي يتضمنها البرنامج.

وجملة القول إن برنامج «ركن الأطفال» كان على رأس برامج المحطة المنتجة محليًا، لجهة الاهتمام والمتابعة، ليس من قبل الصغار وحدهم وإنما أيضًا من قبل أولياء أمورهم ممّن كانوا يفتخرون في تلك الأيام بظهور أطفالهم على الشاشة الصغيرة. كما أنه دخل التاريخ كأول برنامج متلفز للأطفال على مستوى منطقة الخليج العربي.

أما معده ومقدمه فقد أسر قلوب مئات الآلاف من أطفال شرق السعودية والبحرين وقطر وبقية المناطق التي كان يصلها إرسال تلفزيون أرامكو، وصار جزءًا من أحاديثهم اليومية البريئة وأضحى لقاؤه حلمًا من أحلامهم، كيف لا وهو يظهرهم على شاشة ذلك الصندوق السحري المكعب، ويتيح لهم فرصة إثبات قدراتهم أمام الملأ عبر تردير أنشودة أو الإجابة عن سؤال أو فك طلاسم لغز، ويقدم لهم بعض الهدايا من تبرعات المحال التجارية، ويجعلهم يبحرون في عالم من الخيال من خلال الاستماع إلى حكايات وبطولات ومغامرات، ويقوم أحيانًا برسم صورهم بالفحم أو الأقلام الملونة ليهديها لهم في نهاية برنامجه، نوعًا من الذكرى أو شهادة تثبت اشتراكهم في البرنامج الحلم.

 

بابا حطاب في شبابه ثم في أواخر حياته

 

في كتابي التوثيقي عن تلفزيون أرامكو الصادر سنة 2015 كتبتُ عن هذا البرنامج فذكرت أن جميل حطاب كان حريصًا في أثناء تقديم برنامجه على ارتداء ملابس ملونة شبيهة بملابس علاء الدين (سروال حرير ومعطف قصير مزركش من دون أكمام وخف معكوف المقدمة وطاقية مخروطية لفت حولها عمامة سوداء أو خضراء)؛ وذلك من أجل إضفاء سحر خاص على شخصه في عيون الأطفال، وأضفت: «أما طريقة الاشتراك في البرنامج فكانت تعتمد على كتابة الأطفال رسائل إلى بابا حطاب، وقيام الأخير في كل حلقة باستدعاء مجموعة للحضور في الحلقة القادمة من بعد اختيارهم بالقرعة. ولئن كان جلّ الأطفال المشاركين من مدن المنطقة الشرقية. فإن بعضًا منهم كان يأتي أيضًا من البحرين بالمراكب الشراعية عبر فرضة الخبر».

لم يـُكتب الكثير عن بابا حطاب، على الرغم من أنه تربّع على قلوب أطفال الخليج لسنوات طويلة، بل طرقت شهرته أبواب القصور الملكية في الرياض، بدليل أن ثلاثًا من أطفال الملك الراحل سعود بن عبدالعزيز رحمه الله (الأمراء الوليد والمعتز وشقران) ألحّوا على الذهاب إلى الظهران خصيصًا للمشاركة في برنامجه. لكن الأخ الصديق محمد عبدالحميد الطحلاوي، وهو من أبناء الخبر الذين شاركوا في برنامج بابا حطاب حينما كان طفلاً، ثم زامله كبيرًا في العمل لدى أرامكو، زوّدني بمعلومات قيّمة من وحي ما هو مدوّن عن الرجل في أرشيفات أرامكو.

من هذه المعلومات أن جميل محمد عبدالكريم حطاب، الشهير بـ«جميل حطاب»، هو فلسطيني الأصل من مواليد طولكرم في عام 1921، واكتسب الجنسية السعودية عام 1959 أي على خلاف ما هو متداول من أنه من أبناء المدينة المنورة. أنهى حطاب تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي بمدرسة النجاح الوطنية في مدينة نابلس، ثم انتقل إلى القاهرة لمواصلة تعليمه الجامعي، فالتحق هناك بكلية الفنون الجميلة التي تخرج منها في عام 1948 حاملاً شهادة البكالوريوس في الرسم والتصوير الزيتي والأدب المسرحي والتمثيل، قبل أن يواصل دراسته في معهد روتشيستر للتكنولوجيا ومعهد نيويورك للتصوير الفوتوغرافي بالولايات المتحدة في أوائل الخمسينات.

نكبة عام 1948 دفعته كغيره من الفلسطينيين إلى البحث عن العمل والإقامة في الدول العربية، وكان قدره أن يحل في المملكة العربية السعودية في مطلع الخمسينات، حيث تعاقدت معه وزارة المالية السعودية للعمل مع شركة بكتل الأمريكية العاملة آنذاك في جدة في وظائف كتابية، كالمراسلات والترجمة.

 

بابا حطاب في شبابه ثم في أواخر حياته

 

المنعطف الأبرز في حياته كان في سنة 1956. ففي تلك السنة، وربما تأسيًا بما كان يفعله الكثيرون من السعوديين والعرب آنذاك لجهة النزوح من غرب السعودية إلى شرقها بحثًا عن الفرص الوظيفية والتعليمية الواعدة التي كانت شركة أرامكو تعلن عنها في الصحف، التحق حطاب بأرامكو، وتمّ تعيينه موظفًا في دائرة العلاقات العامة التي كانت تشرف على محطة تلفزيون الظهران.

وبعيدًا عن الهوية والأصل ومكان الميلاد وإرهاصات سنوات الدراسة والعمل الأولى، يمكن القول إن حكاية جميل حطاب مشابهة تقريبًا لحكاية زميله ابن المدينة المنورة المرحوم فهمي يوسف بصراوي (توفي عام 2012) الذي التحق بشركة أرامكو في سن العشرين بعد أن قرأ إعلان التوظيف صدفة في جريدة «أم القرى»، وتسلّق فيها السلم الوظيفي ابتداءً من طالب مبتدئ فمساعد مدرس إلى أن صار أحد أعمدة دائرة العلاقات العامة بالشركة، بل أول مذيع تلفزيوني على مستوى الخليج وأحد أشهر من أعد وقدم برامج ثقافية وتعليمية في تلفزيون أرامكو (مثل برامج المباراة الثقافية، تعلموا اللغة العربية، تعلموا اللغة الإنجليزية، تعلموا الحساب).

ويبدو أن حطاب أبلى بلاءً حسنًا في وظيفته، خصوصًا بعد أن ألحق بالعمل في محطة التلفزيون، ما دفع رؤساءه الأمريكيون إلى ابتعاثه في عام 1961 إلى الولايات المتحدة للدراسة في كلية كولومبيا في لوس أنجلوس التي حصل منها في عام 1962 على درجة الماجستير في فن الإخراج التلفزيوني. وفي أعقاب ذلك عاد الرجل للعمل في أرامكو في وظيفة مخرج تلفزيوني ومقدم برامج ومدبلج للأفلام والمسلسلات الأمريكية من اللغة الإنجليزية إلى العربية.

ظل بابا حطاب مواظبًا على تقديم برنامجه الأثير طوال الفترة (1958-1969)، جنبًا إلى جنب مع مسؤولياته الأخرى، إلى أن تمّ وقف البث العربي لمحطة تلفزيون أرامكو بسبب بدء إرسال التلفزيون الرسمي السعودي عام 1969، قبل أن توقف المحطة بثها كليًا في نهاية الثمانينات. لكن حطاب بقي يعمل في دائرة العلاقات العامة مشرفًا على معرض الزيت بالظهران، إلى أن أحيل في عام 1985 إلى التقاعد، لينصرف في السنتين التاليتين إلى ممارسة ولعه بالرسم والخط من خلال محل تجاري افتتحه في الخبر الشمالية للإعلانات وإعداد يافظات المكاتب والمؤسسات، فيما كانت إقامته بمنطقة العقربية من الخبر. واستمر على هذا الحال إلى أن توفي عن 66 عامًا في السادس من سبتمبر 1987، مخلفًا وراءه زوجته الأمريكية السيدة جويس سارفر وابنهما الوحيد جمال وتاريخًا مضيئًا في الإعلام المرئي. وكان رحيله -بحسب شهادة وفاته- في مستشفى رويال فري بضاحية كامدن (إحدى ضواحي لندن)، حيث كان يتلقى العلاج.

في طفولتي، وتحديدًا في سن السابعة، أتيحت لي فرصة المشاركة في برنامج جميل حطاب ورؤيته رؤية العين ومصافحته، وذلك بعد أن حالفني الحظ في قرعة اختيار المشاركين من بعد أن كنت قد كاتبته مبديًا رغبتي الظهور في برنامجه الأثير. كان ذلك اليوم يومًا مختلفًا في حياتي، استعدت له منذ الصباح الباكر بالاغتسال وارتداء أفضل الملابس وتسريح الشعر بعناية فائقة ومراجعة أنشودة قمت باختيارها لإنشادها على الشاشة، ثم الإكثار من الدعاء بأن يوفقني الله في لفت أنظار بابا حطاب كي أحصل منه على هدية قيمة. ولم أنسَ يومها أن أخبر كل الأقارب والمعارف والجيران والأصدقاء وزملاء المدرسة بأني سأظهر على الشاشة في التوقيت الفلاني. وأتذكر أن الأمور سارت على ما يرام، على الرغم من رهبة أجواء التصوير وطقوسه التي لم نعتدها. غير أن المحصلة النهائية لم تكن كما تمنيتها، فلا هديتي كانت قيمة، ولا مُنحتُ الفرصة لإلقاء أنشودتي بسبب كثرة المشاركين وضيق الوقت.

رحم الله باب حطاب الذي أضفى على طفولتنا بهجة وحبورًا في زمن كان فيه الفرح نادرًا لدى السواد الأعظم من الأطفال؛ بسبب الصعوبات المعيشية في المنزل من جهة، وعقوبات المعلمين البدنية القاسية في المدرسة من جهة أخرى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها