النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11375 السبت 30 مايو 2020 الموافق 7 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:25AM
  • العشاء
    7:55PM

كتاب الايام

الحكم والأمثال في النوائب والنوازل

رابط مختصر
العدد 11368 السبت 23 مايو 2020 الموافق 30 رمضان 1441

لا تقال الحكم والأمثال جزافًا ودون سبب أو هدف، وهي حصاد خبرة طويلة في الحياة، وتحمل الكثير من العبر والمعاني، وتتوارثها الأجيال أبًا عن جد، ويستفاد منها، لما فيها من عظة  وفائدة، وما تنطوي عليه من أفكار سديدة تُعين الناس على فهم الحياة وتخّطي صعابها. ولابد لهذه الحكم والأمثال من صياغة لغوية جمالية متقنة لتكون مؤثرة في السامع أو القارئ. وغالبًا ما يحفظ الكثيرون منا ما يعجبهم من هذه الحكم والأمثال السائرة، التي تعبر بصدق عن تجارب الآخرين وخبرتهم الطويلة في الحياة. 

ومثل الكثيرين أعجبتني الكثير من هذه الحكم والأمثال التي تزخر بها الثقافة العربية التراثية منها على وجه الخصوص. وفي هذه الأيام الشاقة المثقلة بالقلق والتوقعات السيئة والأفكار السلبية التي تبث سموم القنوط واليأس فينا، وتثبّط العزائم، في هذا الوقت يحلوا لنا أن نستعيد ونتذكر حكمًا وأمثال قيلت عن هذه الظروف الصعبة التي مر بها البشر من قبلنا، في تجارب مماثلة سابقة عاشوها، واستخلصوا منها هذه الأفكار والمعاني، التي قد تسعفنا وتنتشلنا من حضيض اليأس وترفعنا إلى رحاب الأمل، وهي  خير معين لنا في النوائب والنوازل. 

والتشابه في تجارب البشر أمرٌ قائمٌ كثير الحدوث في الحياة، وعلى رأي المتنبي الذي يقول: (صحب الناس قبلنا ذا الزمانا /‏ وعناهم من شأنه ما عنانا). وفي هذه الأيام تحضرني الحكم والأمثال، الصالحة لهذه الجائحة التي قلبت موازين حياتنا. وفي خضم هذه الأخبار والقلق المترتب عنها، تبدو لنا هذه الجائحة أو النازلة، وكأنها صعبة التجاوز، وأن الأبواب جميعها مغلقة في وجوهنا، وأن لا أمل لنا في النجاة والعودة إلى حياتنا الطبيعية السابقة. فالحالة النفسية السيئة بدورها تضاعف هذا الإحساس، وتبث سموم القلق واليأس فينا، فما أحوجنا في هذا الوقت إلى استرجاع هذه الحكم والأمثال التي جاءت عن خبرة وتجارب مماثلة لما نحن فيه، وهي بذلك حقيقية وقابلة للتصديق، وقد تنتشل نفوسنا من اليأس والخوف وإنقطاع الأمل. 

وكما هو معروف فهناك الكثير من الأبيات الشعرية التي تحولت إلى أمثال حية تُكتب وتُقال وتحفظ، وتنتشر، لتعالج نوازل ومصائب كثيرة مر بها البشر وتجاوزوها. هذه الحكم والأمثال تُبرز الحقيقة التي قد تخبو تحت تأثير النائبة والأحوال النفسية للناس. وفي المأثور العربي قرأتُ أبياتًا شعرية، وجدتُ فيها ما يعيننا على التحّلي بالصبر، وتوقع الأخبار السعيدة التي قد ترد إلينا في أي لحظة، يقول الشاعر: (ولرُب نازلةٍ يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج /‏ ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرج)، فكل شدّة يأتي بعدها فرج، وكل مشكلة حالية يتبعها حل قادم، وكما تأتي النوائب بشكل مفاجئ وتتدرج في الصعود فهي تذهب بشكل مفاجئ متدرجة في الهبوط. 

الشاعر المتنبي يشد أزرنا في هذه الجائحة في بيت شعري جميل يحثنا فيه ناصحًا لنستمتع بهذه الحياة الجميلة حتى في أسوأ الظروف، يقول: (أنعم ولذ فللأمور أواخرٌ /‏ أبدًا إذا كانت لهن أوائل)، فكل أول في هذه الحياة وله آخر، وكل ما يبدأ ينتهي، وهذه سنّة الحياة وقانونها الطبيعي. في بيت شعري آخر يخفف المتنبي من تصوراتنا المفزعة للنوازل المتخيلة التي يتحكم فيها الخوف وتعبث بها الأفكار السوداء القادمة فيطمئننا قائلًا عن الآتي المخيف: (وكل ما لم يكن من الصعب في /‏ الأنفس سهلٌ فيها إذا هو كانا)، فنحن نفزع كثيرًا من الأزمات الكبيرة القادمة، لكن عندما تأتي هذه الأزمات نعيشها ونقاومها، بقوة ذاتية تشب فينا، هي بنت اللحظة التي نحن فيها، غريزة حب البقاء والدفاع عن النفس. 

وكما يقال، الظروف تصنع الأبطال، والظروف الصعبة تعيد خلقنا من جديد وتمنحنا قوة بأس، ونرى أننا نأتي بأفعال لم نتوقعها. وهذا ما يحدث في الحقيقة، وبعيدًا عن الوهم أو التخيل، فكل أزمة أو مشكلة أو مصيبة تكون صعبة في بداياتها، إلا أننا لا نلبث مع مضي الوقت أن نستيقظ من هول الصدمة وصلفها، ونعتاد عليها ونتكيف معها لنعيش، إذن فهناك مخارج وإجراءات كثيرة تستطيع تحجيم الجائحة وتقليم أظافرها. 

وفي هذا الخصوص قالت العرب: (كل مشكلة تبدأ صغيرة ثم تكبر، إلا المصائب فهي تبدأ كبيرة ثم تصغر). حكماء الصين لهم مساهماتهم أيضًا فكل الشعوب تصاب بالنوائب وتنتصر عليها. الصينيون ينصحون في الأزمات والنوائب أن نتحاشى القلق الذي يستحوذ علينا في البداية، فينصحوننا بتقبل أسوأ احتمالات الجائحة ونسَلم بها ونتقبلها كحقيقة، لنصل بذلك إلى الطمأنينة، يقول الصينيون أصحاب الكورونا: (طمأنينة النفس تأتي من التسليم بأسوأ الاحتمالات).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها