النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11370 الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 2 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

العيد من خلال عَينَي حفيدتي

رابط مختصر
العدد 11368 السبت 23 مايو 2020 الموافق 30 رمضان 1441

في اتصال مرئي عن بُعد مع حفيدتي البالغة من العمر عشرة أعوام، سألتها «ماذا ستفعلين في العيد؟»، أجابت ببراءة الطفولة «سأتصل بأصدقائي وأراهم من خلال الشاشة، لكنني لن أستطيع أن أعانقهم، أن آكل معهم، أن أركض وألعب معهم، أنا حزينة جدًا»!

قلت لحفيدتي إن كورونا ما هو إلا غيمة صيف عابرة وستزول، لكن الأطفال اليوم لديهم إدراك عميق للأشياء من حولهم، وهم على اطلاع واسع على المعلومات من مصادرها، وهذا ما يجعل محاورتهم وإقناعهم صعبًا إلى حد ما، قالت حفيدتي: «لا أحد يعلم على وجه اليقين إلى متى ستستمر هذه الغيمة القاتمة. لقد أصابني الممل، وشعوري بالعزلة عن العالم يزداد يومًا بعد يوم، وأصبحت أشعر بحزن عميق بين الفترة والأخرى». سألتني: «هل سنسافر هذه السنة»، قلت لها إنه «من الأفضل ألا نسافر حتى لا نعرض أنفسنا والناس من حولنا لأخطار نحن بغنى عنها»، وهنا ربما زادت مشاعر الإحباط والحزن لديها مع الأسف.

هذا الكورونا اللعين الذي سرق الفرحة حتى من عيون الأطفال، حرمنا رؤية ابتساماتهم وسماع ضحكاتهم، حرمهم من الذهاب للمدرسة، ومن ممارسة حياتهم وطفولتهم بشكل طبيعي، حرم الأطفال حتى من أخذ عيديّتهم نقدًا، وإن حصلوا عليها بطريقة أو بأخرى ليس هناك مكان لينفقوها فيه.

هناك من يفتعل الحروب، من ينشر الشر، من يسرق حليب الأطفال، لكن في حالة جائحة كورونا ليس هناك في الواقع من يمكننا إلقاء اللوم عليه مباشرة، لا يمكننا لوم حتى الصين التي جرى الحديث أنها أخفت حقائق عن مدى انتشار الفايروس، وأنها ربما تكون صنَّعته في مختبر بمدينة ووهان، ولا يمكننا لوم منظمة الصحة العالمية، ولا ترامب ولا السلطات في إيطاليا أو أسبانيا، إن هذا الفايروس أشبه ما يكون بنيزك ضرب الأرض، لا ذنبَ لأحد فيه.

لكن بالمقابل ربما يكون الذنب ذنبنا جميعا كبشر، عندما انجرفنا خلف تحقيق المجد الشخصي والنمو الاقتصادي، وجرفنا في طريقنا البيئة والتربة والصحة والعلاقات الأسرية والفقراء، وأصبح نجومنا هم السينمائيين والمطربين ولاعبي كرة القدم، وليس العلماء والباحثين وأساتذة الجامعات والمفكرين.

على كل حال يجب أن نعطي الناس الأمل، وللكاتب المسرحي سعدالله ونوس عبارة مشهورة تقول «نحن محكومون بالأمل»، وأسوأ ما يمكن أن يحدث لنا في هذه الظروف الصعبة هو أن ينفذ صبرنا وتخور قوانا ونستسلم لمشاعر الإحباط واليأس، عندها فقط ننهزم أمام هذا الفايروس اللعين، ونموت قهرًا وكمدًا قبل أن نموت بالمرض.

سمعت ذات مرة عن أسد يجمع الحيوانات يوميًا للتسامر في مجلسه بالغابة، وفي أحد المرات قال له فأر من بين الحضور: أنا أستطيع قتلك خلال شهر واحد!. سَخِر الأسد طبعًا من كلام الفأر، وكذلك فعلت باقي الحيوانات في المجلس، لكن الأسد استيقظ صباح اليوم التالي وهو يفكر قليلاً في كلام الفأر، ليواصل بعدها يومه بشكل اعتيادي، وفي اليوم الثالث بدأ كلام الفأر يتردد أكثر في ذهن الأسد: ماذا لو كان الفأر يدبر مكيدة لقلتي بالفعل؟!، وبعد أسبوع سيطرت الفكرة على عقل الأسد تمامًا تمامًا، ولم يمضِ الشهر حتى سقط الأسد ميتًا ما من شيء سوى مخاوفه وهواجسه.

حسنًا فعلت البحرين بأنها لم تفرض حظرًا شاملاً على الناس، وإنما تركت لهم حرية الحركة، معتمدةً في ذلك على وعيهم وحسن تصرفهم، وقد أثبت قطاع عريض من البحرينيين والمقيمين التزامًا طوعيًا بالإجراءات الاحترازية من كورونا، وهذا من شأنه الحفاظ على الصحة النفسية والجسدية للناس بشكل عام، حتى وإن طالت الأزمة.

لكن لا ضير من إعطاء الناس بصيص أمل، ضوء في نهاية النفق، وبدل التركيز على الأخبار القاتمة التي تقول إن فايروس كورونا لن يختفي أبدًا، وإنه يتطور بشكل يجعل إيجاد لقاح أو دواء له عملية شبه مستحيلة، لنركز على دراسات موثوقة أخرى أشارت إلى أن الفايروس يضعف من تلقاء ذاته، وقدرته على العدوى ومهاجمة الجسم البشري تقل مع مرور الوقت، وها نحن نرى دولاً أوروبية تسجل كل يوم أعدادًا متناقصة من الوفيات.

كانت أمي رحمها الله تقول لي «القوة تأتي من الداخل»، وكل يوم في حياتي أدرك أكثر معنى ذلك، معنى أن يكون الإنسان متماسكًا يتحلى بالعزيمة والحكمة والصبر والمرونة وحسن التصرف، أن يكون شجرة صنديان تتعاقب عليها الفصول وتهب عليها الرياح وتأكل من لحائها الحيوانات والقوارض، لكنها تبقى راسخة في الأرض باسقة في السماء.

ما هو فايروس كورونا؟ هو فايروس قاتل بلا شك، لكن هل يحمل هذا الفايروس بيده مُسدَّسًا ويلاحقنا من مكان لآخر لإطلاق النار علينا؟ قطعًا لا، بل يمكننا تجنبه باتباع إجراءات احترازية بسيطة، نغسل يدينا جيدًا، نتجنب لمس الوجه، والمصافحة، نحافظ على غذائنا السليم وممارسة الرياضة بحيث نرفع مناعتنا. عندها يصبح احتمال الوفاة بكورونا أشبه باحتمال الوفاة بحادث سير، احتمال قائم لكنه ضعيف جدًا جدًا جدًا، وكلنا في نهاية المطاف تحت رحمة ولطف الله تعالى.

على صعيد الدولة والمجتمع، الكل يُجمِع على أن العالم مع بعد كورونا لن يكون كالعالم قبله، خاصة وأن التأثيرات المدمرة لهذا الفايروس طالت العالم بأسره، لكني أعتقد أن البشرية أقوى من أن يهزمها فايروس كهذا، وستعود الحياة إلى طبيعتها وحيويتها بشكل أسرع مما نتصور، وسيصبح كورونا قصة للعبرة والذكرى ليس إلا.

لقد منحنا كورونا ما يمكن تسميته بـ«استراحة المحارب»، وهذا ما أقوله للعاملين معي والناس من حولي، فالعالم حاليًا في حالة سُبات وليس موت، وستعود قريبًا الحياة للأسواق والميادين والمدارس والملاعب، وربما كوكبنا بحاجة لهذه الاستراحة أكثر منا، فها هو يتنفس الصعداء من جديد بعد أن أثقلنا عاتقه بالضوضاء والتلوث.

ما سبق حاولت إيصاله لحفيدتي بلغة مبسطة تفهمها، فضحكت في نهاية المكالمة، وقالت «بحبك جدي، مشتاقة لك مشتاقة لشوفتك، أملنا بالله كبير، قريبًا الله يفتح لنا أبواب العيد وأبواب جديدة للسعادة».

 

* رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها