النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11494 السبت 26 سبتمبر 2020 الموافق 9 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:29PM
  • العشاء
    6:59PM

كتاب الايام

الأغنية والموسيقى في مواجهة كورونا

رابط مختصر
العدد 11366 الخميس 21 مايو 2020 الموافق 28 رمضان 1441

أتخيل أن البشرية مع كارثة كورونا لم تعد بيتًا عالميًا واحدًا ولا سفينة نوح العظيمة تحتمي فيها من الطوفان، بقدر ما جعلتنا الكارثة نشعر أن الانسانية برمتها مسجونة في سجن ضخم كبير هو سجن كورونا المركزي !. وخلال هذا السجن «الجهنمي الأسطوري الخرافي !» الذي لا نرى له أسوارًا من الفولاذ والإسمنت المقوى ولا أسلاكًا شائكة بالكهرباء ولا طابورًا كثيفًا من رجالات الشرطة والأمن، إنما بتنا ومن خلال الشبكة العنكبوتية وعالم النت والفضائيات والثورة المعلوماتية نشهد نمطًا من العلاقات الانسانية الجديدة والخطاب والتعامل الاجتماعي والعائلي الجديد، رغم كل رهبة تلك الطرق والشوارع الخاوية والوجوه المقنعة بالأكمام وملابس بيضاء وزرقاء وخضراء ومزركشة ذكرتنا برجالات الفضاء وبأفلام الرعب التي تقودك نحو عالم المخيلة المجنونة. 

الكورنا أدخلتنا في نمط من العلاقات الإنسانية «كالوحشية الصامتة» ورعشة الموت الخفية ومخاوف أشباح المدن، التي لم تعدْ خاوية وحسب بل وتحولات الى قصص من تاريخ الخرافة التي قرأنا عنها في تلك الكتب الكلاسيكية، مدن لا تعلم كيف تنام وكيف تصحو وما الذي ينبغي فعله كل يوم. 

في تلك المدن الشبحية في بلد كإيطاليا واسبانيا، حيث كان يسقط ميتًا في بداية الكارثة يوميًا أرقام قاربت الألفي إنسان، واذا ما تناقص الرقم قليلاً شعر البؤساء فرحًا لتعاستهم لأن الضحايا تناقص عددهم. لمثل تلك الفاجعة التراجيدية التي علمتنا نفرح لموتى أقل في ظرف إنساني مجهول وتعيس ونتبادل حزننا الإنساني عبر شبكات التواصل الاجتماعي. 

في مثل هذا الظرف الاستثنائي تاريخيًا من عام عشرين عشرين، تمر الساعات ثقيلة وضاغطة ومريبة ومتوترة وصاخبة داخل النفس المسجونة المرتعبة من أمرين، الأول «سجن الخوف»، والثاني «سجن الموت» المنتظر وما على الشعراء والكتاب إلا محاولة تسطير مشاعرهم المرتبكة من خلال نوافذهم وشرفاتهم. 

لم ينجح الفيروس من قتل طبيعة الايطالي والاسباني المحب للرقص والموسيقى والضحك والغناء والمرح فكان على الجيران من خلال شرفاتهم أن يتواصلوا كوحدة روحية لا تنهزم بالغناء معًا لكي يهزموا الموت في غناء الفرح والحياة. كان على الايطاليين العودة لأغنيتهم الشهيرة «وداعًا ايتها الجميلة» (بيلا تشاو) والتي كان يغنونها في الحرب العالمية الثانية عندما يغادر الرجال بيوتهم نحو جبهات القتال، بينما اختار شاب اسباني من شرفته أن يعزف على فيولينه موسيقى «الماتدور» (مصارع الثيران) والمعروفة عالميًا، حيث تعزف باستمرار في حلبات مصارعة الثيران قبل بدء المواجهة بين قوتين وبين الحياة والموت لاأدهما، كانت تلك المنازلة في الثقافة الاسبانية ترميز ودلالة على شجاعة الاسباني المتناهية في مواجهة الموت مع قرون ثور هائج. موسيقى انتزعت الاسباني من عمق الألم والتردد والانكسار نحو زمن جيرنيكا، حيث استمد بيكاسو في جداريته وجه ذلك الثور الأسطوري، لهذا لم يتخل الفنان عن ريشته ولا آلته ولا أغانيه في كل الأزمنة العاصفة بالموت.

 Bull fitgher أو الماتدور الاسباني تحول كتلة جماعية في تلك الشرفات كما هم في حلبات المصارعة يصرخون «اوله /‏ Ole»، حيث مع كل حركة من المصارع التي يتجنب بها نطحة الثور يصرخ الجمهور تلك الصرخة، التي تخترق دمه الاسباني. أما أغنية بيلا تشاو Bella Ciao (وداعًا أيتها الجميلة) فتلك كانت أغنية ثورية من الفلكور الايطالي اشتهرت في الحرب العالمية الثانية لأن رجال المقاومة كانوا يغنونها وهم يودعون نساءهم نحو الموت. اذا مت كمقاوم فعليك دفني، ادفنيني في أعلى الجبال تحت ظل وردة جميلة، وداعًا أيتها الجميلة وداعًا، وداعًا، بتلك الروح المنتفضة دب حماس مواجهة الاحتلال الفاشي. وبذلك تكون الأغنية والموسيقى زاد وغذاء للروح في زمن العواصف والانكسارات الإنسانية. هكذا علينا التصدي لكورونا، فالروح بتلك العزيمة المنتصرة أقوى من كل لقاح منتظر. 

ننصح بالدخول على مواقع النت للاستماع لموسيقى كلا العملين التاريخيين مع وجود ترجمة عربية للأغنية الايطالية. ودون حاجة لترجمة يشعر المرء باختراق تلك اللحظة الإنسانية لمدى تأثير الغناء الجماعي كفنٍ إنسانيٍ مؤثرٍ مباشر في الأحاسيس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها