النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11418 الأحد 12 يوليو 2020 الموافق 21 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

سنة الحكرة!!

رابط مختصر
العدد 11365 الأربعاء 20 مايو 2020 الموافق 27 رمضان 1441

 ما يمكن استنتاجه من تعامل الحكومات والشعوب مع جائحة كوفيد 19 هو أنها تواجه تحديات جمة منذ بداية ظهور هذا الوباء، واليوم تتزايد هذه التحديات وتستفحل في بعض وجوهها لدى علماء الوباء الفيروسي للتخلص من تعقيدات تحولاته المحيرة، وتكاد تجد كثير من الدول نفسها في ورطة إزاء هذا الأمر الذي لا تعرف إلى الآن نهايته؛ ذلك أن الأمر ليس التزامًا بالإجراءات الاحترازية وتطبيقها بحذافيرها فحسب، وإن كان كل ذلك لا مندوحة من الالتزام به في مطلق الأحوال، وإنما يقع على عاتق هذه الحكومات مسؤولية حماية مجتمعاتها من الوباء وتوفير ضرورات العيش، وفتح أبواب الإنتاج وإعادة إيقاع الحياة إلى سابق عهده. وهذا ما تعمل الحكومات جاهدة على تحقيقه.

 دول العالم وحكومات تُريد أن تجد لها مخرجًا آمنًا لمعاودة الأنشطة التجارية والإنتاجية بمختلف أنواعها. فهذا المخرج الآمن، وفق معطيات الراهن، صعب تدبره لعدم وضوح الرؤية لدى هذه الحكومات بما سيؤول إليه تفشي الوباء في المجتمع الواحد. لكن الأمل كبير في تجاوز المجتمعات هذه الغمة؛ ذلك أن تجارب المجتمعات الإنسانية مع سلسلة من الأوبئة التي اجتاحت العالم وانتهى بها الحال إلى تلاشٍ تثبت قدرة البشرية على تجاوز هذه المحنة وإن بكلفة غالية، ولذلك فإن فيروس كورونا في طريقه حتما إلى التلاشي فالزوال. أبحاث العلماء في كثير من مختبرات دول العالم تذهب في اتجاه تعزيز الأمل لدينا في ذلك.

 المجتمع البحريني في هذه الأزمة الصحية وبالدعم المنقطع النظير الذي تقدمه حكومة البحرين من خلال فريقها الوطني الذي يضم خيرة الخبرات المختصة من كل الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية، أظهر التزامًا وانضباطًا يشكر عليه، ولولا هذا الالتزام وهذا الانضباط لكان للجائحة عواقبها الأكثر إيلامًا، وهذه الخلاصة يمكننا استنتاجها إذا ما نحن قارنا عدد الإصابات والفاقد البشري منها في البحرين مع دول أخرى كثيرة.

 وبالعودة إلى الماضي فإن المجتمع البحريني مرَّ في تطوره قبل التعليم ونمو الوعي الصحي لدى أفراده بمنعطفات صحية وطبيعية حادة اختبر فيها صبره وإيمانه وثقته بتجاوز كل التحديات والصعاب ومحدودية الإمكانات الطبية. فكان الطاعون الذي تردد على البحرين في موجات متصاعدة الشدة بدأت، كما يقول الباحث خليل المريخي، في عام 1897 و 1904 و1905 و1907 و1929 واستمر حتى 1932، وقد سميت هذه السنوات بسنوات الرحمة. هكذا سميت بسبب تميز أفراد المجتمع البحريني البسيط آنذاك بالفزعة لإنقاذ الأسر المنكوبة بالوباء ومساعدتها. ولعلنا من هذه التسمية نستمد هذه القوة العجيبة، وهذا التفاؤل بأن القادم أفضل؛ لأن مبادئ اللحمة المجتمعية تكاد تكون متأصلة جينيًا لدى البحرينيين وكل من تنفس هواء البحرين وعشقها وأهلها. وإذا ما كان استحضار أعوام الرحمة مناسبة للحديث عن مبادئ التراحم التي اشتهر بها البحرينيون، فإنه أيضًا فرصة للتذكير بأن آفة الطاعون ورغم قدمها في المجتمعات الإنسانية كوباء بكتيري حيواني، لا يوجد حتى الآن لقاح فعال لحماية الناس من الإصابة به. فهل سيحصل العالم على لقاح لفيروس كورونا؟ العالم في حالة من قلق الانتظار والترقب.

 ثمة كارثة طبيعية حدثت للغواصين البحرينيين في بحر الخليج العربي في عام 1927 تسردها المحكيات الشعبية تحت اسم «سنة الطبعة»، وقد كانت بسبب تبدل مفاجئ في الطقس. المرويات تقول بشأن سنة الطبعة أنها حدثت عندما كانت مجموعة من سفن الغوص متواجدة على المغاصات لاستخراج الدّر من أحشاء البحر! فإذا بعاصفة صرصر تهب مصحوبة بالأمطار فأودت لشدة هبوبها بحياة الكثيرين من الغواصين وأحدثت خسائر مادية فادحة. وهذا يشير إلى كم المخاطر التي كان يتعرض لها الآباء والأجداد لتوفير لقمة العيش وللنهوض بالاقتصاد الوطني القائم على تجارة اللؤلؤ. 

 الناس أعطت للعصف الوبائي الطاعوني الذي أهلك الألوف من أبناء البحرين اسم سنة «الرحمة» كما قلنا، وأعطت لهيجان الطبيعة على الغواصين في عرض البحر سنة «الطبعة». فما الاسم الذي ستطلقه الذاكرة الجمعية على وباء فيروس كورونا المستجد؟ في ظني أن الحيرة في اختيار مسمى واحد هي سيدة الموقف، حيث إن وباء الكورونا يختلف عن الحدثين السابقين، فالكورونا جاء في وقت فيه الوعي بالصحة العامة مرتفع. والشعور بالحس الوطني والمواطني في أعلى مستوياته. ثم إن حكومة صاحب الجلالة لملك حمد بن عيسى حفظه الله ورعاه أخضعت كل إمكانات الدولة للتصدي لهذا الفيروس، وهذه معطيات ستؤثر حتما في خيارات التسمية، وسيتجلى في بعض التسميات التي ستطلق على سنة 2020. مثل سنة الكورونا، والسنة التي فيها «الحكومة باعت كل شي وشرتنا» وسنة المطهرات، وسنة «الحكرة»، أي بمعنى التباعد الاجتماعي. ولعل القارئ الكريم يُدرك أن التسميات الثلاث الأخيرة تُظهر المعنى الدقيق لعمل الحكومة اللصيق مع المواطن لمكافحة الفيروس وإبعاد شبح الإصابة به. في ظني إن عام 2020 يحتمل أن تطلق عليه مسميات كثيرة وكلها تقريبًا تعكس التدابير التي اتخذتها الحكومة لمكافحة كورونا وخفض خسائرها، على عكس المسمى الذي أطلق على سنوات الطاعون وهو المسمى الذي جاء ترجمة لتعاضد الناس فيما بينها. 

 مجتمعنا البحريني أثبت في كل ما مرَّ به صلابة عود وقدرة فائقة على صنع انتصارات ملحمية حاسمة، ولهذا فأنا متفائل بأننا سننجح في محنة الكورونا وآثارها، وسنثبت بأننا الأقدر على صناعة تفاصيل غد أجمل وأبهى لمملكتنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها