النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الشخصية المميزة في المسلسل الرمضاني «مخرج 7»

رابط مختصر
العدد 11365 الأربعاء 20 مايو 2020 الموافق 27 رمضان 1441

في العمل الفني التمثيلي، على خشبة المسرح أو على شاشة السينما أو التلفاز، يقوم الممثل بدور شخصية لا تمت إليه بأية صلة و لا صفة، ويتقمصها للتعبير عنها أمام المشاهد، ليكمل دوره مع بقية الأدوار حسبما جاء في النص التمثيلي، وهكذا تتشكل الصورة الكاملة للعمل الفني التمثيلي؛ وهو بهذا الدور التمثيلي يعبر عن دور الشخصية في محطة من دورتها الحياتية، وبكل ما يتميز به من صفات داخلية (نفسية وانفعالية) وخارجية (جسدية وحركية). خارج عالم فن التمثيل هناك مهارات التمثيل في واقع الحياة، وفي تفاعلات المجتمع، والتمثيل على خشبة الواقع (في المجتمع) يهدف إلى تحقيق أغراض متعددة ومتناقضة؛ وليس بالبعيد أن يكون الواقع وما يحتويه من أوجه تمثيلية مختلفة هو مصدر التمثيل الفني. فالتمثيل، بدراميته المجردة، موجود في المكون النفسي للإنسان قبل إبداع فن التمثيل على المسرح. عندما يختار المخرج الممثلين لتأدية أدوار شخصيات العمل الدرامي، فإنه يضع في الاعتبار شخصية الممثل وقدراته ومواهبه المميزة وطبيعة الشخصية التي على الممثل تقمصها.

رأيت في هذه المقدمة المختصرة ضرورة قبل التطرق للمسلسل التلفزيوني الرمضاني «مخرج 7»، الذي يتصدر التمثيل فيه عدد من الفنانين السعوديين، وفي مقدمتهم الفنان المبدع والمشهور ناصر القصبي رائد فن التمثيل الواقعي الذي يحمل رسائل اجتماعية وتربوية وإنسانية. جميع الممثلين في هذا المسلسل يؤدّون دورهم بمهنية عالية في فن التمثيل، فالمشاهد يعيش العمل الفني، وكأنه شاهد على وقائع تقع أمامه ويتعايش معها؛ والمشاهد بهذا المستوى من الاندماج يصبح شاهدًا وليس مشاهدًا؛ وهذا هو أعظم نتاج تقييمي لأي عمل فني تمثيلي.

الأدوار التي يتقمصها الفنانون متعددة ومختلفة في سماتها الشخصية؛ وهناك مسافات عدة بين الفنان والشخصية؛ فالفنان، أثناء دراسته للشخصية التي عليه تقمصها، يجد نفسه أمام تحديات عدة عليه التغلب عليها. وتتمثل أهم هذه التحديات في المسافات التي بين الفنان والشخصية. إذا استبعدنا الفارق الجسماني بينهما لأن أمره يسير، فإن المسافات، التي عليه تخطيها حتى يستطيع أن يحدث تحولاً نوعيًا «metamorphose» بين شخصيته الواقعية وشخصيته التمثيلية، تتمثل في ثلاثة أبعاد، وهي؛ المسافة الاجتماعية والمسافة الثقافية أو الحضارية والمسافة التاريخية. ويمكننا قياس مهارة الفنان في أدائه لدور شخصية بعيدة عنه على مسافات عدة بأن يحول المشاهد إلى شاهد على شخصية متكاملة الأركان والصفات مغايرة نوعيًا عن شخصية الممثل الفنان.

من وجهة نظري، كمشاهد شاهد، لفت انتباهي شخصية في مسلسل مخرج 7، تتميز عن بقية الفنانين بالفارق الاجتماعي والثقافي بين الفنان والشخصية التي يتقمصها، وأدائه المبدع لهذا الدور؛ إنه الفنان علي الحميدي الذي قام بدور شخصية «مشبب». جميع الشخصيات التي تبث الحياة في المسلسل، من دوخي، جبر، غريب، لولوة، عبدالفتاح، مريم، سامية، وغيرهم، من خلفية اجتماعية شبه مشتركة، والمسافات بين الفنان والشخصية التمثيلية قصيرة ومتقاربة؛ ولكن شخصية «مشبب» كأنها حديثة الورود تاريخيًا إلى مجتمع بقية الشخصيات؛ فالسمة البدوية وخلفية مجتمع البادية، بجميع مكوناتها الداخلية والخارجية، بادية للمشاهد بوضوح. «مشبب» كشخصية يختلف اجتماعيًا وثقافيًا عن بقية الشخصيات، والفنان علي الحميدي استطاع أن يتقمص هذه الشخصية بجميع صفاتها، موحيًا للمشاهد بأنه «مشبب» الحقيقي حسبما رسم شخصيته مؤلف المسلسل. فالمشاهد شاهد على شخصية «مشبب» وليس على شخصية «علي الحميدي»، وهذا هو الإبداع، بكامل معانيه وأبعاده، في الفن التمثيلي.

نظرة فاحصة في تحركات «مشبب» مستخدمًا مكوناته الجسدية الثلاث، وهي؛ الرأس والجذع والأطراف، إضافة إلى نظراته ولفتاته وملامح وجهه في الظروف المختلفة، فقد كانت هذه المكونات تتفاعل محدثة الحركات الطبيعية ولغة جسدية لنمط من شخصية واحدة دون الخروج عنها أو عليها قيد أنملة. أما الجانب التفاعلي والنفسي فقد تناغم مع ما تمثله شخصية «مشبب» بكامل أبعادها الثقافية (البيئة الاجتماعية) والذاتية دون تفريط ولا تدخل من شخصية علي الحميدي على شخصية «مشبب»؛ شخصية سماتها البساطة، الأشبه بالسذاجة، والطيبة الفطرية، الانبهار بالقول المنمق وتصديقه دونما شك ولا تمحيص، احترام الكبير عمرًا ومكانة، والاستعداد العفوي لتقديم العون والمساعدة إلى الآخرين، وأخذ الأمور ببساطة دونما انفعال مفرط ولا غضب متفجر؛ فهذه صفات مميزة حتى في ذات بيئتها.

لقد أبدع الفنان علي الحميدي في أداء دور صعب؛ لأن المسافات كبيرة بين شخصيته الواقعية وشخصيته التمثيلية، وقد استطاع أن يتخطى التحدي الذي تمثله تلك المسافات بنجاح باهر يستحق التقدير. وهو بهذا النجاح في دور ثانوي لشخصية صعبة التقمص، وهي أكثر صعوبة من بقية الشخصيات، يستحق لقب «أفضل ممثل» في هذا المسلسل. وهذا اللقب غير مبني على أساس التفاضل النوعي، ولكن على أساس التباين النسبي من واقع المسافة التي تفصل بين شخصية الفنان وشخصية المسلسل. كان بإمكان أي من زملائه الفنانين أن يقوموا بنفس الدور، ولا أستبعد أنهم كانوا سيؤدون الدور بنجاح، خاصة وأننا أمام قدرات فنية مشهود بها على ساحة الفن التمثيلي في المملكة العربية السعودية والخليج، وأن شعاع هذا الفن يصل إلى أقصى المغرب العربي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها