النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11452 السبت 15 أغسطس 2020 الموافق 25 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

خواطر على وقع كورونا..!

رابط مختصر
العدد 11364 الثلاثاء 19 مايو 2020 الموافق 26 رمضان 1441

** شيء محزن للغاية، أن الكثير من المظاهر والتقاليد الاحتفالية التي عهدناها في هذا الشهر الفضيل الذي نشارف على توديعه وقد انقلبت رأسًا على عقب، لا زيارات عائلية، ولا لقاءات مع الجيران والأصدقاء والأقارب، ولا أي شكل من أشكال التواصل المألوفة بين الناس، ولا صلوات ولا شحن للطاقات الإيمانية في المساجد، ولا أسواق مفتوحة، وإن فتحت لم تعد كما كانت، ولا مجالس رمضانية انعقدت، ولا عادات رمضانية مألوفة مُورست، ولا إفطارات جماعية نظمت، ولا ولائم أقيمت، ولا عيد بعد أيام سيكون كبقية الأعياد، المرحلة الكورونيّة الاستثنائية ضربتنا في الصميم، ويعلم الله كم هي شرسة، ولهذا فإن رمضان هذا العام اختلف بكل المقاييس..

** شيء محزن أن راحة الناس مع الآخرين قد رحلت، وحلّ محلها اطمئنان أكبر في الابتعاد عنهم، وبات مفهوم التباعد الاجتماعي فارضًا نفسه بقوة، والمؤسف أن يطرح من زاوية أنه صمام أمان، وطفت على السطح سلوكيات تفضيل الذات، مع متلازمة الوسواس القهري حيال كثير من الأمور المرتبطة بمجريات تعاملاتنا وعلاقاتنا وتواصلنا، وكأننا في مرحلة اكتشاف نسخة أخرى من حياتنا المجتمعية، لا نعلم ما إذا كانت ستدفع إلى تجاوز مشكلاتنا أم ستبقى هذه المشكلات تدور في شبه تكرار من المراوحة لتظل في مرتبة التمنيات والتصريحات..!

** شيء محزن للغاية، أن يعجز الناس في هذه الأيام الكورونيّة الاستثنائية من تقديم أو تقبل التعازي بوفاة والد، أو والدة، أو قريب، أو صديق، أو جارٍ، وأن نشهد جنائز بلا مشيّعين، والتعازي عن بعد، عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر الهاتف، والأمر لا يختلف بالنسبة لأفراح، خطط وترتيبات تغيرت، تأجلت، أو في أحسن الأحوال أقيمت بدون أفراح، أو اقتصرت على عدد محدود من الأقارب، وهذا يعني أن كل ما حلم وخطط له أصحاب الفرح، خطوبة، زواج، أو غير ذلك من صور الفرح، كل ذلك نسفه وباء كورونا بكل دقة ومثابرة.

** شيء محزن كل صور الاستثمار غير الأخلاقي للظرف الكوروني الراهن التي قفزت بأساليب رخيصة إلى الواجهة من قبل البعض ممن حوّلوا الأزمة إلى فرصة يجنون منها عوائد، جعلوا خوف الناس على أنفسهم وصحتهم تجارة رابحة، استغلوا الظرف برفع أسعار سلع ومنتجات غذائية وصحية من كمامات ومعقمات ومطهرات وأدوية ومنتجات غذائية وغير ذلك، يضاف اليهم أولئك الذين ظهروا في المشهد من أرباب عمل استثمروا هذا الظرف باستغلال العاملين لديهم أبشعها ما تجلى في حرمان العمال من أبسط حقوقهم، وجعلهم يعيشون أوضاعًا مأساوية، انتقصوا من أجورهم، أو تركوهم بدون أجور أو رواتب، وكأنهم يقولون لهم: دبروا أحوالكم، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً..!

** شيء محزن للغاية أن انحصرت انشغالاتنا على مواجهة التحديات الراهنة التي فرضها وباء كورونا وتداعياته في كافة المجالات وتجاهلنا التفكير اللازم والملح في مرحلة ما بعد كورونا، والتحديات الأكبر المتوقعة التي ستواجهنا لاحقًا وتمس أوضاعنا الاقتصادية والتنموية والاجتماعية والتعليمية والصحية، ومحزن إذا لم نستعد كما يجب أن يكون الاستعداد للتحديات والموجبات التي ستفرض نفسها فرضًا، ومحزن إذا لم ندرك أن الحلول لا ينبغي أن تكون من صنع الدولة وحدها، بل يلزم استدعاء كل طاقات الوطن ومؤسساته لوضع الحلول والتصورات التي تنهض بالمجتمع، دون إرباكات أو تعقيدات أو مراوحات.

** محزن ومؤسف للغاية حال الذين بدأت لقمة العيش تقضُّ مضاجعهم، وحال أصحاب أعمال بات القلق عندهم سيّد الموقف، وحال قطاعات أصبحت عرضة لضغوطات مرئية ومخفية، آنية ومستقبلية، وحال مسؤولين يفترض أنهم معنيّون بمعالجة مكامن بعض أوجه الخلل أو الإخفاق، ولكنهم أعجز من أن يكونوا معنيين بالفعل، وحال منظومة إدارية تحتاج إلى تطوير يرتكز على أولئك الذين يشكّلون مفردات المستقبل لا على الذين يجعلون التغيير والتطوير وصناعة المستقبل أمر مستحل..!

** شيء محزن للغاية إذا ترددنا في إعطاء المؤهلين بجدارة فرصتهم، وإذا ترددنا في منح الأولوية المطلقة في إعادة هندسة واستراتيجية التعليم، ووضع الأسس لميكانيزم التعليم عن بعد، ومحزن إذا ترددنا في تطوير نظم ومنهجية الإدارة والعمل والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية وتحسين كفاءة مختلف الخدمات ورفع جاهزية البنية التحتية الرقمية والاقتصاد الرقمي، وتحسين الكفاءة في التطبيقات المتعددة لتكنولوجيا الاتصال، وتوفير كل متطلبات الانتقال الحقيقي والآمن نحو المستقبل مع ضرورة المحاسبة على النتائج والإنجازات.

ذلك شيء مما هو باعث على الحزن والأسى، قليل من كثير، ولكن هناك بالمقابل متسع لما يُفرح، أو حتى لما يماثل الفرح، وفي هذا السياق ومن لزوم ما يلزم يمكن أن نستخرج بعض الأمثلة النموذجية لما يسر ويفرح، وهذه ودون الإغراق في التفاصيل أمثلة ليس إلا..

** شيء مفرح كل صور التلاحم والتعاضد والعطاء والتكافل الاجتماعي التي شهدها المجتمع البحريني، والمنطلقة من مساندة الجهود الوطنية لمكافحة فيروس كورونا واحتواء تداعياته من خلال تبرعات مالية وعينية، وفرق متطوعين، ومبادرات وجمعيات وصناديق ولجان خيرية، وثقت تكاتف الجهود وتضامنها وتكاملها لها بُعد إنساني ووطني وكلها لها أثر بمنطق القيّمة والناتج..

** شيء مفرح أن أزمة كورونا أكدت المؤكد، وهو أننا نمتلك قوى لا يستهان بها، من النوع الذي تشتد عود الدول بهم، قوى من أهل الكفاءة والعلم والإتقان والتخصص والإدارة وكل ما يشكل العواميد التي يقوم عليها البناء في خلق «ميكانيزم» لإحداث التغيير والتطوير المنشودين في المرحلة المقبلة التي تفرض آليات ترتكز على كل أولئك في كل حقل وميدان عِوضًا عن الذين لا يجيدون سوى إبقائنا في دائرة المراوحة والشعارات الكبيرة، وسيكون باعثًا على الأمل والمزيد من الفرح الاعتماد على هؤلاء للانطلاق نحو المستقبل.

** شيء مفرح أن هاجس الشعور بمراجعات واجبة لمرحلة ما بعد كورونا أمر بات يفرض نفسه، ربما هو درس من دروس كورونا التي يمكن أن نخرج بها، مراجعات لابد أن تفضي إلى تجاوز منطق المراوحة والجمود، والحالة البيروقراطية التي أصبحت عبئًا على المجتمع والدولة، مفرح أن نقتنع بأن المرحلة المقبلة يجب أن تكون منصبة على أهل الكفاءة والعلم والاختصاص وأصحاب الأفعال

عِوضًا عن أصحاب الوعود والكلام الكبير والشعارات البراقة، شروط لا بد من توافرها في كل من يناط له إدارة أي شأن عام، أو مسؤولية عامة، وسيكون مفرحًا حقًا أن نؤمن بالحاجة إلى إصلاح إداري حقيقي من منطلق أن الإدارة هي العامل الخلاق الذي يمكن أن يخلق كل إطارات النجاح كما يمكن في الوقت ذاته أن تكون عاملاً للمراوحة والإخفاق والعجز وحتى الفساد، وسيكون مفرحًا أن يُعطى المؤهل، والمحترف والمتخصص وصاحب الكفاءة مكانته في التقدير والعمل وتحمّل المسؤولية، وفي الوقت ذاته تجرى محاسبة كل من لم ينهضوا بمسؤولياتهم وواجباتهم المطلوبة في هذا الظرف وقبل هذا الظرف، ومحاربة الفساد من المنبع لتحقيق أفضل النتائج..!

ذلك شيء مما يحزن ويفرح، قليل من كثير، يبقى مهم، بل بالغ الأهمية أن نستفيد من الدروس التي لابد أن نستخلصها من أزمة كورونا حتى لا نقف عند حصيلة متشائمة، الأمر بحاجة إلى بلورة مزيد من الدروس تعيد تنظيم أولوياتنا وتدفع بنا نحو مشروع وطني يمثل البوصلة الهادية التي على أساسها نعرف إلى أين نذهب، وندرك جيدًا متطلبات النهوض بوطننا كما يجب النهوض في المرحلة المقبلة اعتمادًا على إرادة ورؤية وأهداف واضحة تدفع بنا إلى أنماط جديدة من التفكير والعمل والسلوك والخطط والاستراتيجيات وضخ دماء جديدة في شرايين العمل العام، وكل ما يحقق الإصلاح والتغيير ويعبر في الوقت ذاته عن حسن استفادتنا من دروس هذه الأزمة.

نتمنى أن نصل إلى لحظة تفاؤل ناضجة حين تتوفر القناعات الراسخة والجرأة اللازمة للسير إيمانًا وفكرًا وعملاً في درب إعادة ترتيب أولوياتنا الوطنية المقبلة فمرحلة ما بعد كورونا ستطال بآثارها الكثير من أشكال العمل والحياة، وتفرض تبنّي مشروع وطني متكامل الأركان يثبت بأن طريقة تفكيرنا في المرحلة المقبلة ستكون مختلفة، وأكثر جدية، وأكثر جرأة، وأكثر قدرة وأكثر جاهزية على التغيير وإزالة الشوائب التي علقت بنا على مر الزمن لنكون أكثر قدرة على مواجهة ما تفرضه مرحلة ما بعد كورونا من تحديات تشير التوقعات بأنها لن تكون عادية، وسيظل يلح على الوجدان دومًا بأن ما بعد كورونا لن يكون حتمًا مثلما كان قبله.. أليس هذا ما يتردد عالميًا..؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها