النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11452 السبت 15 أغسطس 2020 الموافق 25 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

الولايات المتحدة الأمريكية.. وسياسية التراجع عن دول مجلس التعاون

رابط مختصر
العدد 11364 الثلاثاء 19 مايو 2020 الموافق 26 رمضان 1441

استلم العالم خلال الأسبوعين الماضيين رسالتين هامتين جداً، كلتاهما تمثلان انعكاساً لاغتيال اللواء قاسم سليماني قائد قوات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في العراق مطلع هذا العام، والنظرة الأمريكية الجديدة المعروفة بالتوازن الآسيوي أو بالأصح (سياسة الانسحاب من منطقة الخليج العربي) بعد أن تراجع النفط عن سُلَّم أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة.

الرسالة الأولى: قيام الرئيس الأمريكي ترامب باستخدام حقه الدستوري في تعطيل قرار قدَّمه أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين وعدد من الجمهوريين ينصّ على عدم تمكينه من إعلان الحرب أو شنّ أي حملة عسكرية ضد إيران دون الحصول على موافقة صريحة من الكونغرس، والذي رأى فيه ترامب تعمّد خصومه السياسيين لشق حزبه مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقرَّرة في (3 نوفمبر 2020م)، وفي هذا الإجراء إشارتان:

1. رسالة سلام سلبية قدَّمها الكونغرس لإيران - دون استحقاق - على طبقٍ من ذهب، تعكس روح الضعف والتراجع الأمريكي عن حماية مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة، وانعدام الثقة بين الجانبين خاصةً بعد الغزو الأمريكي على العراق في (مارس 2003م)، وتعزَّزت بعدما تسلَّمت إدارة الرئيس أوباما مهامها وتودَّدت فوراً وبلهفة شديدة إلى الأعداء (إيران) على حساب حلفائها التقليديين في المنطقة، وسرعان ما تخلَّت عن أهم حلفائها التقليديين وهو الرئيس الراحل محمد حسني مبارك عام (2011م) خلال المراحل الأولى من (الربيع العربي)، وهو ما عزَّز شعور دول مجلس التعاون بأن الدائرة قد تدور عليهم، خاصةً بعد الدعم الذي قدَّمته الإدارة الأمريكية - التي تنتمي إليها أبرز الشخصيات التي كانت لها علاقة واضحة في الأحداث التي مرَّت بها مملكة البحرين في (فبراير 2011م) - إلى جمعية الوفاق المعارضة المنحلة، وقيام (أوباما) بذكر (جمعية الوفاق) في كلمته التي ألقاها من على منبر الأمم المتحدة في (سبتمبر 2011م) ودعا الحكومة للحوار معها، في حركة غير مسبوقة وتحمل أهدافاً مسبقة الإعداد لإضفاء صبغة شرعية على جمعية الوفاق الإرهابية التي هي أحد الأذرع الإيرانية في المنطقة، وحالها كحال (حزب الله) في لبنان الذي كانت ألمانيا آخر من اعتبرته حزباً إرهابياً.

2. رسالة سلام إيجابية، أكَّدت على أهمية الحفاظ على إجراءات الردع المفقود (عند الحاجة)، والتي استعادتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد اغتيال قاسم سليماني، وتؤكِّد استمرار حملة الضغط القصوى التي تشنها الولايات المتحدة على إيران والعقوبات الاقتصادية والتجارية غير المسبوقة بعد الانسحاب من الاتفاق النووي في (مايو 2018م) من أجل توفير الأمن لإسرائيل!

الرسالة الثانية: هي التصريحات الإيرانية المستفزة التي أطلقها الرئيس الإيراني روحاني وعدد من قادة الحرس الثوري الأسبوع الماضي والتي تهدف بمجملها إلى اختبار رَدّ الفعل الأمريكي المشغول بالانتخابات الرئاسية، ورفع درجات التوتر والقلق بتصرفات عسكرية وإرهابية في الخليج العربي، وتهديد أمن خطوط التجارة الدولية وتدفقات النفط إلى العالم الحر، وتُعيد هذه التصريحات إلى الذاكرة أطماع إيران ورغبتها التاريخية في إشعال نار الفتنة واستخدام لغة الدماء والقتل والركون إلى المؤامرات عبر وكلاء من داخل المنطقة، حيث سعت القيادات الإيرانية منذ عهد الشاهنشاه محمد رضا بهلوي ثم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية الخميني ومن بعده علي خامنئي والرئيس روحاني إلى لعب الدور المهيمن في منطقة الخليج العربي بسبب الثقل الاقتصادي والديموغرافي لإيران وإدراكها التام بالأهمية الكبيرة للناقلات المحمَّلة بالنفط من الخليج العربي إلى العالم، بينما تسبَّبت ثورة الخميني التي نجحت بدعم أوروبي في (فبراير 1979م) في حدوث تحول كبير في العلاقات الإيرانية الخليجية، فانتقلت من مرحلة الطمع إلى مرحلة العداء والغدر والخيانة، ووصلت في أحيان كثيرة لمحاولة الإطاحة بزعماء وقادة دول مجلس التعاون وتخطيط المؤامرات ضدهم باستثناء دولة قطر!

إلا أن أهم مشكلتين هدّدتا أمن واستقرار منطقة الخليج بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام (1988م) وأصابت دول مجلس التعاون بالفزع والقلق الشديد هما:

• إعلان النظام الإيراني استئناف تخصيب اليورانيوم، فأصبح برنامج إيران النووي المثير للجدل النقطة المحورية للسياسة الخارجية الخليجية ودبلوماسيتها العالمية والتي رأت في نجاح البرنامج اعترافاً دولياً بالنظام الإيراني وكيانه واعتبار إيران دولة قائمة على أساس ديني بحت والتأكيد على دورها ونفوذها في الشرق الأوسط والخليج العربي.

• العراق الذي حاولت دول مجلس التعاون حمايته من النفوذ الإيراني المطلق، بينما عمِلَت إيران مع مجموعة من الجماعات الشيعية والحزبين الكرديين الرئيسيين للتأثير على الدولة العراقية الجديدة، فجاءت انتخابات (مارس 2010م) المثيرة للجدل بما يتفق وهوى السياسة الإيرانية، فقام المرشحون الأوائل الثلاثة بزيارة إلى طهران لتقديم فروض الولاء والطاعة واستلام التعليمات.

وفيما توقَّع الكثيرون أن يسهم فوز (حسن روحاني) بأغلبية ساحقة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في (يونيو 2013م) في تحسين الاقتصاد الإيراني وعودة الهدوء للعلاقات الإيرانية الخليجية، كونه يمثِّل خط المعتدلين، إلا أنه على العكس من ذلك، فقد زادت حدّة المؤامرات الإيرانية ونشاط وكلائها في المنطقة حتى وصلت إلى مرحلة الغليان!

فقد انشغل روحاني في بداية فترة حكمه بالنزاع النووي مع الغرب وبمحاولات رفع العقوبات عن بلاده، وإعادة دمج إيران في المجتمع الدولي والاقتصاد العالمي، حتى أكملت إيران تفاوضها مع دول (5+1) وتوصَّلت معهم إلى الصيغة النهائية للاتفاق النووي والتوقيع عليه في (يوليو 2015م) في تجاهل أمريكي متعمَّد للمصالح الأمريكية التاريخية والاستراتيجية مع الحلفاء التقليديين في المنطقة، فقام الرئيس الأمريكي السابق أوباما بالترويج للاتفاق على أنه فرصة لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط ودعا قادة دول مجلس التعاون لاجتماع بروتوكولي في كامب ديفيد في (مايو 2015م) لنزع فتيل القلق الخليجي وطمأنة قادته بالتأكيد على مزيد من مبيعات السلاح الأمريكي لدول المنطقة، وتكريس التواجد العسكري بذريعة الحماية من الأخطار والتهديدات الخارجية، فالتعاون العسكري بين الجانبين ليس بالجديد، والقواعد العسكرية الأمريكية منتشرة، ومبيعات السلاح تتدفق إلى دول المنطقة التي باتت أمام سباق تسلّح يُنذر بتفاقم حالة عدم الاستقرار وتصاعد حدة التوتر خصوصاً بين القوى الإقليمية الفاعلة.

لقد استقرَّت السياسة الأمريكية بعد هجمات (سبتمبر 2001م) على تبنّي خطة تغيير أنظمة الحكم القائمة في الشرق الأوسط بما فيها أنظمة الدول الحليفة من مجلس التعاون، والتنسيق مع إيران لدعم شيعة الخليج العربي، وحياكة المؤامرات وتصدير الأسلحة وتدريب الإرهابيين منهم، وهو ما أدى إلى ضبابية العلاقات السعودية الأمريكية، ونشوء سياسة جديدة من التنسيق الأمريكي الإيراني في الشرق الأوسط، ومرحلة فريدة من التفكّك الإقليمي والاضطرابات الطائفية العنيفة، وشكَّل تحديات كبيرة لدول المنطقة والإقليم بما فيها إيران، خاصةً بعد أن وصلت الحرب في سوريا إلى مرحلة خطيرة من التطرف الإسلامي والكراهية الطائفية، وارتفعت معدلات الهجرة إلى أوروبا، وتزايدت الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها أطراف النزاع تفوق ما قامت به النازية إبّان الحرب العالمية الثانية، وذلك من نظام بشار الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والمليشيات الشيعية في العراق ضد السُّنة.

 ومما زاد الطين بِلَّة زيادة الدعم الإيراني للإرهاب في المنطقة، والتي تمثِّله العديد من التنظيمات الإرهابية كالحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، وجبهة النُّصرة في سوريا، وحزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، في ظل صمت أمريكي غريب خلال ولاية الرئيس أوباما الذي وقفت إدارته خلف الإعداد لمخطط التغيير في الشرق الأوسط والدور الذي لعبته قطر في تمويل عمليات تنفيذه بكل أسف!

خلاصة القول إن الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بدول مجلس التعاون، وتداعيات خطة التغيير في الشرق الأوسط التي هزَّت كيانات الدول العربية وأطاحت بعدد من أنظمتها الحاكمة، والدور القطري الفاعل في تنفيذ هذه الخطة، وما يتعرَّض له (مجلس التعاون) من أزمة سياسية داخلية عميقة مستمرة منذ عام (2013م)، والتهديدات الإيرانية والتركية التي حطَّت رحالها - بكل أسف - في (الدوحة)، في ظل سياسة التوازن الأمريكي في آسيا، تستدعي أن تُدرك دول مجلس التعاون تمام الإدراك أن المصالح الأمريكية الأساسية في المنطقة قد تغيَّرت، فهي لا تتمحور حول النفط فقط كما السابق، وأن مبيعات الأسلحة الأمريكية الكبيرة لدول الخليج ليست سوى مؤشر على تزويد الولايات المتحدة لها بالسلاح لتدافع بواسطته عن نفسها، أكثر من كونها تعبير ملموس عن التزام أمريكي دائم بحماية دول الخليج، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تستعد بذلك لمغادرة المنطقة!

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها