النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11849 الخميس 16 سبتمبر 2021 الموافق 9 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

ليلة بلا جوال

رابط مختصر
العدد 11363 الإثنين 18 مايو 2020 الموافق 25 رمضان 1441

من دون مقدمات، سكت «جوالي» عن الكلام المباح، اختفت الحياة من فوق شاشته الرفيقة، وأصبحت وحدي منذ مساء الأربعاء حتى ظهر الخميس الماضي بلا شريك أو أنيس، بلا رحمة أو شفقة، وبلا رغبة حتى في متابعة المسلسلات والبرامج الرمضانية المختلف عليها.

قد يكون «البرنس» أو «فلانتينو» أو أم هارون، أو «مخرج 7» مخرجًا لي من كل تباعد اجتماعي، ومنقذًا لمراكبي الشراعية وأنا لا أحسن التجديف «أون لاين»، ولا أجيد النميمة مع وحدتي، لكن «2 في الصندوق» كان شيئًا آخر، كان بديلًا عن كل «المخارج»، عن الموبايل الذي وافته المنية وهو في عز الشباب، عمره لم يتجاوز الأربعة شهور، وماركته أو «موديله» من الأجهزة المصنفة في الدرجات العُلى من عوالم المتاهات الذكية.

لم أكن أتخيل أن بديل الهاتف المصاب يمكن أن يكون مسلسلًا لشابين يبحثان عن حياة أفضل، عن عالم أعقل، فإذا بهما يدخلان الصندوق الأبدي للفرص، للسحب الفوري على جائزة عمر، والفوز العظيم بأبٍ يرأس جمهورية تدعى «سمبيزي»، اختفى الموبايل ليلة كاملة من أيامي، ربما للمرة الأولى منذ عشرين عامًا، وربما للمرة الأخيرة بعد أن تعلمت بأن الاعتماد على جوال واحد في هذا الزمان أصبح محفوفًا بالمخاطر، بل والارتكان إلى «باسوورد» أو كلمة سر يتيمة سيظل معرضًا للنسيان في ذاكرة أتعبها الزهايمر، وأشقاها تكاثر الأحداث، واضنتها تخمة الليالي المباركة.

لم أتذكر «باسوورد» هاتفي، ولم أخزنه إلا داخل «ذاكرة» جوالي نفسه، لا أوراق يمكن أن تعيد لي الشاشة المجهولة، ولا الشاشة المجهولة يمكن أن تعود من تلقاء نفسها إلى الحياة الأولى، ولا حتى الحياة الآخرة يمكن أن تبشر بمعجزة لا تتحقق إلا مع سحب نهائي لجائزة مستحيلة من جوائز الحسابات المأهولة.

قضيت الليل مع «أم هارون» باحثًا عن «مخرج» آخر غير «مخرج 7»، لأنه أبدع بفنانيه، بقصصه وأحداثه التي تضع «تسالي» رمضان في كفة، والعظة المباركة في أخرى، أما «البرنس» فقد كان «برنسًا» فوق العادة، بين الشخصية الشعبية الشريرة، وبين أولاد البلد «الجدعان» خيط رفيع، بين الخير والشر، وبين السليقة واحتراف الجريمة، ضمير محسوب على صاحبه وليس محسوبًا على حسه الشعبي او وطنه القومي، أو حالته المستعصية.

فلانتينو لم يكن للعظات فقط لكنه كان تسلية فوق العادة لعاشقي الزعيم وهؤلاء المتيمون باكتشافاته الشبابية وصولاته وجولاته العاطفية. 

«2 في الصندوق» يكسب، لأنه أخذني من القاهرة «بازدحامها» المر، وبأرحامها منقطعة النظير، وأضغاث أحلامها مجهولة المصير، إلى المغرب حيث كل شيء على سجيته، وكل طريق على استحيائه، وكل منظر بكر مازال يناشد بكارته. 

بين الكنانة ودرة الأطلسي «2 في الصندوق» وآخرين متسمرين أمام الشاشة المرتبكة يبحثون عن أمل لشابين هاربين من «أكوام الزبالة» فتلتقطهم الفرصة المعجزة، من الحضيض حيث الروائح ومزارع الخنازير، وفتات «الأواني المستضعفة»، إلى القصور والجواري وحمامات الشمس المشرقة.

جوالي مازال فاقدًا للنطق، للبصر والبصيرة، وأصدقائي المتكدسون على «الفيس بوك»، و«الواتساب» و«تويتر» وما بينهم، لم يعد لي مكانًا بينهم، أما المسلسلات التي تأتي إليّ آمرة ناهية لتملي عليّ ماذا تريد، فلم تكن سوى خياري الوحيد، ملاذي الآمن وطريقي المعبد إلى شاشة بحجم الكف تسمح لي بالحديث إليها عندما أريد، نصفي المرصود امام المسلسلات، والآخر المقسوم بين عالم افتراضي حليم بالعباد، وآخر انقضاضي لا ناقة لنا فيه ولا جمل، الهائمون على شبكات التواصل، والخارجون من تحت كومات المعاني المتقاطعة، دراويش أو حرافيش أو دعاة تحت الطلب، جميعهم مكتوبون بالأحرف الأولى قبل كورونا، لكنهم مازالوا مكتوبين ونحن نكابد من أجل زوال كورونا.

جميعنا قيد الاحتجاز إما داخل مسلسلات رمضانية مفروضة، أو في هواتف نقالة تحت الحظر المؤقت، أو لتعاطي عن بعد مع عائلة لا تتجمع إلا على وجبة إفطار، ولا تتشرد إلا عند السحور، حيث لكل وجبته وظروفه، ومذاق لياليه.

جوالي عادت إليه الحياة بعد ليلة طويلة من دون ثرثرة الأشقاء، وأسئلة الأصدقاء، وإجابات طرف ثالث لم يكن له وجودًا بالمرة قبل الجائحة.

عاد الجوال ليعود كل شيء إلى سابق عهده، نصف أمام المسلسلات، وآخر مقسوم بين العالم الافتراضي، والآخر المفروض، بين الهائمين على الشبكات الفضائية، وأولئك المتشبثين بالبقاء على الأرض، بين ليلة وضحاها يغيرنا الله من حالٍ إلى حال، وبين يوم ويوم آخر نتكدس فوق ركام المعلومات المغلوطة التي يبثها دراويش مبجلون، مرة من خلال «الواتس» الخصوصي، وأخرى عن طريق «الفيس» المكشوف.  أخيرًا تسلمت جوالي وعلى شاشته مئات الرسائل والمكالمات، وعشرات من علامات التعجب والاستفهام، لماذا اختفيت، ومتى ظهرت، وكيف كان الحال، عندما تفرقت بنا السبل وفقدنا وسائل الاتصال، و.. أسئلة أخرى كثيرة بعضها لم يقله البعض، وبعضها لا يُقال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها