النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11375 السبت 30 مايو 2020 الموافق 7 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:25AM
  • العشاء
    7:55PM

كتاب الايام

ماذا يعلمنا الوباء؟

رابط مختصر
العدد 11361 السبت 16 مايو 2020 الموافق 23 رمضان 1441

نذهب إلى التأمل في العزلة التي فرضها علينا الوباء. فالعزلة تمنحنا متسع من الوقت للتفكير والتأمل لا نجده في الأيام العادية، التي نلهث فيها وراء الواجبات والمسؤوليات الكثيرة. إنه الوقت المناسب لمراجعة ما فعلناه وما ننوي فعله في المستقبل القريب والبعيد. العزلة تقودنا أيضاً للتفكيربعمق في المعاني والدروس التي نستنبطها من الوباء الذي جعلنا نعيد التفكير في نظرتنا للعالم ولأنفسنا، في وقت إستثنائي نعيشه ونتعلم منه دروساً جديدة، بعضها عام يخص مجتمعنا وبعضها شخصي يخصنا في محيط العائلة. 

يذهب بنا الخيال في كل الاتجاهات. والخيال لا يبقى في سياق محدد ومساحات صغيرة من الزمن، فهو يحب التحليق في الفضاءات البعيدة الواسعة للحياة. كلنا نخوض تجربة لا تخلو من قسوة ننشغل بها في مراجعة قناعاتنا وثوابتنا السابقة، التي قد تحتاج إلى تصويب أو تعديل أو إلغاءً كاملاً، لتحل محلها قناعات جديدة هي بنت الساعة والجائحة التي خلخلت الكثير من الثوابت والقناعات، كما هو الحال في الأحداث الكبيرة.  

نحن الآن في وقت مفصلي من التاريخ البشري الذي سيتم إثره تغيرات كبيرة في العالم فالجائحة كشفت عيوب المجتمات والأيديولوجيات والمفاهيم، كما عرّت الأنظمة السياسية التي تمسك زمام السلطة وتمارس تأثيراً واسعاً في حياة الناس. ولم ينجو الساسة والقادة والزعماء من هذه التعرية. وكما كشفت الجائحة عن عيوب ومثالب لدى هؤلاء القادة، فهي أوضحت من جهة أخرى جدارة وحكمة زعماء ورؤساء آخرين. 

سنعرف أيضًا، إن لم نكن عرفنا بعد، أمورًا كانت غامضة فباتت في كامل الوضوح الآن. وهذه أحد فوائد الأزمات الصعبة الكبيرة التي تبسط الحقيقة وتعرّي الزيف وتُظهر الأخطاء والحسنات في وقت واحد. ولا أحد، قائداً كان أو إنسانًا بسيطًا بلا أخطاء، فالبشر بطبيعتهم خطاؤون، ولولا ذلك لخلت الحياة من المشاكل والأزمات. نحن نُخطئ كثيراً، وفي كل يوم، أحيانًا كل ساعة، لكن العقلاء منا يعترفون بالخطأ ويتجاوزون أخطاءهم ويصوبون أخطاءهم بناءً على حصيلة التجارب الجديدة التي يعيشونها. 

التجربة وحدها هي التي تكشف، وتفضح، وتميط اللثام عن المستور والمغمور، وتجربة الوباء كبيرة وبالتالي ستتكشف عيوبًا وأخطاءً كبيرة في الأنظمة والمجتمعات وعند الأفراد. ولأن الزعماء والساسة يملكون سلطة عالية لإصدار القرارات ذات التأثير الواسع على المجتمع، فإن ذلك يجعلهم أكثر تعرضاً للنقد والمسائلة، وبناءً عليه سيتحدد مصيرهم السياسي. ينطبق ذلك على كل الدول، خصوصًا في المجتمعات الديمقراطية. 

الجائحة إذن تقدم فرصة ذهبية لتصحيح الأخطاء للمجتمعات والأفراد، فالحوادث الضارة نافعة أيضًا. علمتنا هذه الجائحة التي نلهج بإسمها طول الوقت أن كل شيء في هذه الحياة مؤقت وطارئ وإننا نحن البشر مغلوبون على أمرنا وضعفاء، ولا حول لنا ولا قوة. يتساوى في ذلك الغني والفقير، والعظيم والبسيط والصغير والكبير. من الإيجابيات في هذه الجائحة أيضاً أننا أدركنا فيها أهمية قيم المواطنة وشكلها الصحيح. 

ففي هذه الجائحة رأينا ولمسنا، مثل كل شعوب العالم، أهمية الانتماء للوطن، فتكرست لدينا بالنتيجة روح المواطنة وحب الوطن. فالناس الذين كانوا خارج بلادهم جميعًا يمّموا وجوههم شطر الوطن يستنجدون به ويريدون العودة إلى حضنه الدافئ، وبناءً عليه سنخرج من هذا الوباء بقناعات وطنية جديدة مستوحاة من لهيب التجربة وأخطارها، وقد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود والصالح من الطالح. نحن اليوم إذن أكثر قناعة من الأمس بأهمية التآلف والوحدة الوطنية ونبذ وباء الطائفية الأخطر من الكورونا. وهذه حصيلة ثمينة من الوباء. وبوعينا الجديد سنتخطي كل العراقيل وتجاوز كل المحن. 

في هذه المحنة أحسسنا أننا أسرة واحدة بالفعل، وأكثر من أي وقت مضى، وتجلّى ذلك في إتحادنا وعملنا يداً بيد لمقاومة الوباء الغادر. علمتنا هذه الجائحة وحدة المصير والطريق بعد أن رأينا كل البلدان تغلق حدودها ومطاراتها وموانئها، لتحصّن شعوبها. وكل البلدان ترحّل الزوار الأجانب إلى خارج حدودها لتنجو بنفسها. 

كما علمتنا هذه النائبة، أهمية المرافق الصحية في حياتنا، فصحة الإنسان هي حياته ووجوده بالكامل. والصحة هي البقاء والعيش الهانئ المريح، والمرض هو رسول العدم والفناء. نحن نعرف اليوم أكثر من الأمس أن الصحة والتعليم أمران يحددان مصيرنا القادم، فالمواطنون المرضى لا يبنون وطنًا، ولا ينتجون ثماراً. والصحة تعني العيش بشكلٍ أفضل، ولممدد أطول من السنوات، ومن أجل كل ذلك لا بد من منظومة صحية متقدمة (جدًا) ومتكاملة لتحسين حياة المواطنين، وهو هدفٌ تسعى إليه كل الدول المتقدمة التي تُعلي حقوق الإنسان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها