النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11494 السبت 26 سبتمبر 2020 الموافق 9 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:29PM
  • العشاء
    6:59PM

كتاب الايام

الأكفان والتوابيت والحرية

رابط مختصر
العدد 11359 الخميس 14 مايو 2020 الموافق 21 رمضان 1441

أتاحت ثورة المعلومات لهذا الجيل ولجيلنا المخضرم ليس فقط سماع الأخبار التراجيدية في العالم وإنما مشاهدة عالم «الصورة!» المرعبة والتي رسمت لنا صور مشاهد إنسانية لا تحتمل.

وكلما تضاعفت حساسية الكاتب والمبدع في التعايش مع لحظة تلك الصور التي تمر من أمام ناظريه لدقائق أو ساعات، ويتم تكرار المشهد كل يوم لملاحقة كارثة بحجم جائحة كورونا. وكلما تمت إطالة فترة «السجن الناعم» بتلك التدابير الخانقة، بمصطلحات التباعد الاجتماعي! يتم تعليق المشانق في سقف غرفنا دون أن يستطيع أي كائن منا التخلص منها. ننتقي ماهو أكثر تدميرًا لمشاعرنا أو تنتقينا هي من خلال البرامج ونشرة الأخبار التي باتت سعيدة ومولعة بترقيم عدد الوفيات والمصابين والمتعافين، فلا نجد إلا دولاً تتسابق في قائمة موتاها فيما نحن لسنا إلا متفرجين مشلولي الإرادة نعد الساعات المريبة المرعبة التي تتسلل من بين شرايننا وأنفاسنا ونحن نشهد تلك الاكفان في إيطاليا وبكاء الأسبان العاطفي، حيث لم يكن بإمكان الناس في تلك المناطق تصديق أنهم لا يستطيعون توديع موتاهم حتى بلمسة واحدة من أفئدة حزينة.

لم يكن بالإمكان تخيل مدى قسوة الحياة. قسوة مصادرة حرية الإنسان وتجريده من عاطفة في عناق من يحب في لحظة وداع أخير لإنسان مفجوع، برؤيته داخل تلك القماشة البيضاء وهو مسجّى بلا حراك من رجفة الحياة وقشعريرتها، لا تخترق عين الإنسان ذلك الصندوق الخشبي الموبوء والممنوع لمسه فقد تحولت الأكفان والتوابيت إلى مصادر مفزعة للموت والوباء، صارت تخيفنا من الاقتراب إليها تلك الجثث، دون أن نستطيع مرافقتها في رحلتها الأخيرة نحو قبور شواهدها الرخامية مكتوبة فيها الأسماء بعجالة.

كنت أرى الوجه الآخر لتلك التراجيديا العظمى في الألفية الثالثة. ليس الموت حدثًا طارئًا أو جديدًا أو غريبًا منذ آلاف السنين، فحكاية الموت هي حكاية الإنسان على الأرض منذ زمن غابر لا يستطيع أحد فينا تعداد سنواته الغامضة البعيدة، لكن الفجيعة في طريقة الموت البشعة لوباء يهزمنا ونحن مختفين لعل تحصننا المنزلي يجعلنا نفلت منه. بتنا نخاف نطل من النوافذ أو نفتح الأبواب المغلقة، تخيلناه الفيروس قناصًا محترفًا يصطاد أعدادًا كبيرة من الأرانب كل يوم لأنها مصابة بالشيخوخة، وكأننا طيور مواسم الهوايات الغبية الحمقاء.

تبدو لنا الحرية المخنوقة المصادرة حياة سهلة، «خليك بالبيت» لم تكن خيارًا ورديًا للإنسان، بل رغبة جامحة للحب والعائلة وخداع الذات بالحكايات المثقلة بالأمنيات، جعلتنا جائحة كرونا نغالط أنفسنا، نكذب على عجزنا، فلعل ما نضخه من تلك الآمال الكبرى تعقمنا من الخوف المتربص في أردية الأسرة والمخدات وتنفس القطط الهاربة في شوارع خاوية يصفر فيها الريح بحرية ويتساقط فيها المطر دون فرح.

لم أكن أتخيل أن التجربة سهلة بالبقاء في البيت بنصف حرية بنمط من الاستلاب الوبائي الغريب، المهدد بمخاوف الموت. كنت أتحدث مع تلك الحقيبة الصامتة التي كنت أصطحبها معي كل شهر من مدينة لمدينة، تحسست دموعها المهجورة، تسألني متى سنسافر كما وعدتني في شهر فبراير، كذبت علي بأنك ستأخذني لجزر حالمة بعيدة في الكاريبي أو إلى جزر الكناري الأسبانية، اخترنا معًا الأمكنة السحرية القادمة واتفقنا على ممرات العبور السرية بتلك البواخر الاستوائية، وعدتني أن لا أبوح بالأسرار عن تلك التي خطفت قلبك في مالطة، وقررت العودة إليها في شهر مايو، غير أنك بت تشك في كل الأشياء والمواعيد، تشك في نشرة الأخبار أنها صادقة، تحولت الإجراءات المتغيرة كل أسبوع إلى حكايات وهمية باطلة، يلعب بمواعيدها الكبار فهم من يقررون حريتنا المقدسة ومتى يطلقون سراح شياطين الموت والحياة، يحقنوننا ببريق سحاب شاحب نضبت الأمطار من غيومه العاقرة. لم أجد ما أقوله من كذب لحقيبتي التي ترافقني في سفرات الجنون إلا ان أعدها بكلمة الصبر والانتظار، فالأكفان والتوابيت حريتنا الأخيرة في هذه الحياة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها