النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11418 الأحد 12 يوليو 2020 الموافق 21 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

العراق على مفترق انتماء

رابط مختصر
العدد 11358 الأربعاء 13 مايو 2020 الموافق 20 رمضان 1441

 وأخيرًا بزغ بصيص من الضوء في ليل العراق الطويل، ولعله يكون الضوء الذي سينير درب عودة العراق إلى حضنه القومي وبيئته الخليجية العربية، وبداية الأمل في انحسار المد الطائفي الجاثم على صدور العراقيين والذي كان سببًا في كل أنواع الفساد والبؤس الذي يشهده العراق منذ عام 2003. بزغ هذا الضوء مع تخطي المكلف مصطفى الكاظمي العراقيل التي تتفنن في اصطناعها الكتل والأحزاب السياسية وتُسيّج بها نفسها؛ لإفشال أي مكلف لرئاسة الحكومة بهدف الحفاظ على الوضع القائم، والعمل، ما أمكنت الوسيلة والحيلة الطائفية، على إعادة تكليف من توصف فترة رئاسته للحكومة المستقيلة بأكثر الفترات بؤسًا في إدارة الدولة، إيراني الهوى، عادل عبدالمهدي، الذي كانت استقالته في نوفمبر من العام الماضي مطلبًا أساسيًا من ضمن مطالب وطنية محددة للمنتفضين العراقيين الذين اختاروا التعبير عن تمردهم على الوضع القائم بالاعتصام في الساحات منذ الأول من أكتوبر من العام الماضي منادين بضرورة تغيير أوضاع العراق وأحوالها. 

 فهل يعد نجاح مصطفى الكاظمي في نيله ثقة البرلمان، هذا البرلمان المُختَلَف أصلاً بحسب العراقيين أنفسهم في مدى تمثيله لمكونات المجتمع العراقي، بداية فعلية لحل مشكلات العراق والعراقيين المتراكمة منذ أكثر من سبعة عشر عامًا؟ من يدري؟! لا يملك أحد الإجابة الباتة عن تساؤل كهذا في ظل تكالب أحزاب المحاصصة الطائفية على السلطة واستماتتها في الحفاظ عليها، وخصوصا الجماعات الطائفية المسلحة التي تلعب دور الوكيل الإيراني في بغداد. لكن هذا لا يمنع من أن نحاول قراءة المشهد العراقي في عموم تفاعلاته لنعطي رأيًا في ما سوف تؤول إليه الأحداث في العراق في ضوء المنهاج الوزاري للحكومة الانتقالية الذي قرأه الكاظمي في البرلمان وحصل في ضوئه على تسميته رئيسا للوزراء.

 عدا أن هناك ترحيبًا من كل الأطراف الدولية بتسمية مصطفى الكاظمي رئيسًا للحكومة فإن بعضًا من الخصائص، أقدر شخصًيا، أنها تميزه عن سابقيه ممن تعاقبوا على رئاسة الحكومة، وستكون له سندًا في إنجاز منهاجه الوزاري. ولعل من أول هذه الخصائص التي تميز مصطفى الكاظمي عن غيره ممن تولوا الوزارة هي أنه كان مسؤولاً عن جهاز المخابرات، ما يعني أنه على اطلاع على ممارسات الأحزاب والكتل السياسية خصوصًا وأن برنامجه الوزاري يَعِدُ بمحاربة الفساد والمفسدين. ثم إنه لم يكن منتميًا لأي من الأحزاب الطائفية التي تلوثت بممارسات فاسدة فيما رؤساء الوزراء السابقون جاؤوا جميعًا من رحم الأحزاب الطائفية المسؤولة عن الفساد وعن ضياع هيبة الدولة وارتهان قرارها لما يتم رسمه في قم، فيما عدا عادل عبدالمهدي الذي قيل إنه مستقل، ولكنه في الواقع العملي كان من أكثر رؤساء الوزارة ميلاً لإيران وإذعانا لإملاءات وكلاء إيران في العراق.

 صحيح أن اسم الكاظمي سبق وأن طُرح في غمرة الاحتجاجات، أي قبل أن تجنح إلى السكون لظروف وباء كوفيد 19، وقوبل بالرفض، إلا أنه الآن يملك الوقت لتنفيذ منهاجه الذي لم يترفع على المطالب الرئيسية التي رفعها المنتفضون في الساحات. ولعل من البشائر التي سيفرح لها العراقيون أن مجلس الوزراء وفي أول جلسة له أصدر مجموعة من القرارات، واحد منها يدعو مجلس النواب إلى «ضرورة استكمال التصويت على قانون الانتخابات الجديد وإرساله إلى رئاسة الجمهورية لغرض إدخاله حيز التنفيذ»، وهو أمر إذا ما تم سيسمح بسلطة القانون في بناء عهد سياسي جديد في العراق يضمن تمثيلية ديمقراطية حقيقية للشعب في مجلس النواب وبناء جديدًا لمؤسسات الدولة تتجاوز به مآسي نظام انتخابي لم يفرز سوى النطيحة والعرجاء وكل من يقدم مصالح المذهب والطائفة على مصالح الدولة والشعب. إن البدء بأحد المطالب الأولية التي نادى بها المنتفضون يوحي ببداية واعدة، إذ فيه مؤشر دال على جدية الحكومة الجديدة في التعامل مع الملفات المغلقة التي تعد من أسباب عدم الاستقرار في المجتمع العراقي، وعلى بصيص من الأمل في استرجاع هيبة الدولة بالقضاء على التنظيمات الميليشياوية وضمان استقلالية القرار الوطني. فإذا كانت بداية الحكومة على هذا النحو من الجدية في معالجة أخطاء وخطايا الطبقة الحاكمة الفاسدة، فإن الحكومة تتجه إلى نيل رضى المنفضين ودعمهم.

 ثمة نقطة جديرة بالملاحظة وهي أن السيد الكاظمي حدد في منهاجه الوزاري ما يُشير إلى حقيقة تعامله مع المنصب على أنه يُهيء لمرحلة جديدة قادمة من خلال إقناع العراقيين أن حكومته حكومة انتقالية، وهذا ما سيلتقطه المنتفضون في الساحات ويأخذونه بعين الاعتبار في تحديد آفاق تحركاتهم، هذا فضلا عن أن رسالة كهذه من شأنها أن تعزز ثقة المتظاهرين في حكومتهم الانتقالية تعزيزًا تحتاج إليه هذه الحكومة أكثر من غيرها، إذ السند الشعبي الصادق من شأنه أن يجرِّأ الحكومة على اتخاذ القرارات الحاسمة واللازمة ليستعيد العراق عافيته وتوازنه المفقود مذ مكنت الدبابات الأمريكية طبقة سياسية فاسدة من سدة الحكم في بلد نخر فيروس الطائفية مؤسسات الدولة فيه. 

 العراق على مفترق طرق، فإما أن ينجح السيد الكاظمي في مهمته، وهذا النجاح يحتاج بطبيعة الحال إلى دعم المنتفضين في الساحات وثقتهم وإلى مساندة قوية من القوى الوطنية والليبرالية في الداخل العراقي، ومن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، وقبل ذلك الدول العربية وخاصة منها المملكة العربية السعودية ومصر لما للحاضنة العربية من أثر في إعادة التوازن إلى منظومة الحكم العراقية وفي طرد شياطين العمالة الإيرانية من تصدر المشهدين السياسي والأمني في العراق، وإما أن يفشل ليكون التهاوي والرجوع القهقرى والخضوع مرة أخرى لهيمنة الأحزاب الطائفية التي ستزيد من تعميق ولاءاتها إلى إيران ليجد العراق العربي نفسه بعد ذلك على مفترق انتماء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها