النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11494 السبت 26 سبتمبر 2020 الموافق 9 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:29PM
  • العشاء
    6:59PM

كتاب الايام

الأميرة بديعة وشيء من ذاكرة المجزرة

رابط مختصر
العدد 11358 الأربعاء 13 مايو 2020 الموافق 20 رمضان 1441

قبل أيام أُعلنت وفاة الأميرة بديعة بنت علي بن الحسين، حفيدة الشريف الحسين، والتي عاشت صباها وشبابها في العراق بوصفها أميرة من أميرات العرش العراقي قبل انقلاب 1958.

ذلك الانقلاب الدموي سكن وجعه في ذاكرتها حتى اقتربت من المئة عام من العمر، وكانت تتذكر تفاصيل المجزرة التي جرت للعائلة المالكة العراقية، وكانت قريبة من تفاصيلها حين تحصنت أسرتها ليلة 19 (تموز) يوليو 1958 بمنزلها الكبير حتى تسنى للعائلة الصغيرة الهروب من المنزل والاحتماء بالسفارة السعودية في بغداد وقتها، فكُتب للعائلة عمرٌ جديدٌ قبل أن تصلهم فرق القتل والسحل.

تروي الأميرة بديعة بألم موجع تفاصيل مهولة للمجزرة التي شهدها قصر الرحاب الملكي ليلة الانقلاب حين استسلمت العائلة المالكة للانقلابيين على أساس طلب الرحيل الى الخارج، كما هو معروف في الحالات المشابهة للعائلات المالكة.

وتقدم الأمير عبدالإله الوصي على عرش العائلة الهاشمية، فمن خلفه الملك فيصل الثاني الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين من العمر، ثم من خلفه الملكة نفيسة والدة الملك، ثم الأميرة عابدية، ثم الأميرة هيام.

وفي هذه الأثناء حسب رواية الدكتور فالح حنظل كان النقيب عبدالستار سبع العبوسي داخل القصر فترك القصر ونزل مسرعًا ورشاشه في يده فشاهد الأسرة المالكة تسير في صف منتظم فاقترب من العائلة ثم فتح رشاشه عليهم جميعًا ليتساقطوا وسط بركة دم سقط فيها القرآن الكريم الذي كانت تحمله الملكة نفيسة.

ويضيف الدكتور فالح، لعلع الرصاص من كل صوب باتجاه الأسرة المالكة فتمرغت أجسادها في بركٍ من الدماء، حتى أحضروا سيارة نصف نقل «بيك آب» ليحملوا فيها الجثث، فيما كانت العامة من الجماهير الزاحفة نحو القصر في الخارج شاهدت الجثث في سيارة «البيك آب».

فانقضت عليها جماعات طائشة الصواب يتقدمهم شاب ضخم الجثة يحمل خنجرًا وانهال طعنًا في جثة عبدالإله، حسب رواية الدكتور فالح، مما جعل الجثة تقع خارج السيارة لتنقل إلى سيارة أخرى حاولت اختراق الجماهير الغاضبة لكنها فشلت، فيما السيارة «البيك آب» خرجت إلى وزارة الدفاع حيث يوجد ضباط انقلاب تموز 1958.

وتحلقت جماهير الغوغاء الغاضبة حول السيارة لِتُنزِل سحبًا جثة عبدالإله، وهنا بدأت مأساة بشعة للجثة التي تم التمثيل البشع بها بشكل غير إنساني.

فتقطعت الجثة وتمزقت أجزاؤها وتوزعت بأيدي الغوغاء الذين راحوا يلعبون بها في الشارع، ويرقصون على بقاياها بصورة مروعة.

ومازالت حتى قبل وفاتها بأشهرٍ معدودة تروي الأميرة بديعة تفاصيل تمتنع عن ذكرها لبشاعتها عما جرى لجثة الوصي على العرش عبدالإله، ولجثة رئيس الوزراء آنذاك نوري السعيد.

ويذكر لنا تاريخ ما بعد الانقلاب الدموي، أن ذلك الانقلاب بدمويته قد عمد وقد أسس لتاريخ من الانقلابات الدموية القاسية والموجعة، فنهر الدم انطلقت شلالاته مساء الرابع عشر من يوليو (تموز) 1958م، لم يتوقف في العراق في كل العهود الجمهورية اللاحقة.

فهل هو قدر مقدور على العراق أم هو تاريخ الثورات /‏ الانقلابات حين تطلق شلالات فلا تتوقف وتظل تفور كالبركان تعطشًا لمزيد من الدماء، وهكذا تدور الدماء وراء الدماء نافورات تعمّد التاريخ بالأحمر القاني دمًا يترك في الأرواح وجعًا وألمًا يحفر له في الذاكرة مجرىً عميقاً فلا تندمل جروحه كما لم تندمل جروح ذاكرة الأميرة بديعة رحمها الله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها