النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11529 السبت 31 أكتوبر 2020 الموافق 14 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    5:46AM
  • الظهر
    11:21PM
  • العصر
    2:33PM
  • المغرب
    4:56PM
  • العشاء
    6:26PM

كتاب الايام

الإنسانية في زمن «كورونا»›..!

رابط مختصر
العدد 11357 الثلاثاء 12 مايو 2020 الموافق 19 رمضان 1441

 هذا كلام عن «الإنسانية»، جميل أن يجرى الحديث عن الإنسانية والقيم الإنسانية في هذا الشهر الفضيل، استحضار للقيمة في زمن قلة القيمة، زمن تقطّعت فيه أوصال الإنسانية، ولعل هذا السبب هو الذي دفع هو الذي دفع اللجنة العليا للإخوة الإنسانية المنبثقة عن «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك التي وقعت في أبوظبي في فبراير 2019، إلى إطلاق يوم عالمي للصلاة والدعاء من أجل الإنسانية يوم الخميس المقبل (14 مايو)، يحمل رسالة تضامن إنساني تتلاشى فيه الاختلافات الدينية والعرقية، وإعطاء طاقة أمل لكثيرين بالإيمان بالتعايش بين كل الاختلافات ونبذ التعصب والكراهية خاصة في ظل تحدٍ لا يستثني أحدًا، ذلك مطلوب بقدر ما هو مطلوب على الدوام التعدد في السياسة والفكر والرؤى، وهي المناسبة التي رحبت فيها البحرين قبل أيام عبر جلالة الملك مع تأكيده حفظه الله بأن البحرين ماضية في نهجها الإنساني. 

الإنسانية كما تعرفها «ويكيبيديا» هي مجموعة من وجهات النظر الفلسفية والأخلاقية التي تركز على قيمة وكفاءة الإنسان، قيل أيضًا بأنها الصفات والأخلاق التي ترتبط بالإنسان وتجعله يختلف عن بقية المخلوقات من القدرة على الحب والرحمة وإبداء المشاعر الإيجابية.. هي من وجهة نظر بعض الفلاسفة القدماء أساس فكرة الواجب، والمعنى الذي تقوم عليه ماهية الإنسان..

كارثة فيروس كورونا تفرض هذا الحديث، الفيروس اختبر ولا يزال يختبر إنسانيتنا ويضعها على المحك، ووجدنا أمين عام الأمم المتحدة وهو يعلن بأن «الفيروس يهدد الإنسانية برمتها، وإنه لا بد من ردٍ إنساني عالمي»، والى جانب ذلك شهدنا إعلان مبادرة التضامن والتكافل الإنساني ضد «كورونا»، أطلقها الأمير الحسن بن طلال كمشروع مبادرة دولية أيدها حشد كبير من الشخصيات الفكرية والعالمية والعلماء ومشايخ دين، تحت عنوان «التضامن ويقظة الضمير الإنساني» كتعبير عن إجماع إنساني فاعل وقوى لمواجهة التحديات والأخطار التي تهدد البشرية في ظل جائحة كورونا، شهدنا أيضًا بياناً للتضامن الإنساني في زمن كورونا بتوقيع 70 شبكة وتحالف ومنظمة حقوقية من 14 دولة عربية، من ضمنها البحرين (الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان)، وهو يتضمن 9 مطالب أساسية في مجملها تؤكد على الرؤية الإنسانية ومبدأ التضامن الإنساني، والكرامة الإنسانية، والمسؤولية الإنسانية والأخلاقية بعيدًا عن أي انحياز سياسي، شهدنا أيضًا انطلاق مبادرات إنسانية أخرى تعبِّر عن روح التكافل والتضامن الإنساني.

جاء ذلك إثر ما شهدناه من ممارسات ونماذج وسياسات دول ومجموعات وشركات كبرى، وما يشكل الرأسمالية المتوحشة وهي تضر بالإنسانية في مقتل، ممارسات افتقدت إلى البعد الإنساني، أو أن هذا البعد لم يكن حاضرًا كما يجب ويفترض أن يكون الحضور، وكل ما جرى ويجري أثبت أن ما فعله الكورونا أبعد من أن يكون مرضًا، وباءً، كارثة، جائحة، بل هو أيضًا هزيمة حضارية كاملة الأركان ألحقت الضرر بالقيم والمبادئ الإنسانية، وهناك من ذهب إلى القول بأن معنى الإنسانية اختفى أمام صولات «كورونا» الفتاكة، وهي الخاسر الوحيد في مطبخ الحسابات والمنافع الدولية والمؤامرات العالمية التي لم تأخذ في الحسبان هدف جعل الإنسان قيمة عليا في مشاهد شديدة التناقض وموغلة في السخرية جعلت ما يفترض أن يتحقق على المسار الإنساني ضربًا من خيالات المدينة الفاضلة وكأننا أمام حالة تجريف لمعاني التضامن والتكاتف، و للمشاعر والقيم الإنسانية بالنهاية.

يكفي على الصعيد الدولي وعلى سبيل المثال التذكير بموقف بعض الدول والقوى الكبرى وهي تقوم بالسطو على معدات للتعقيم والتطهير وكمامات موجهة إلى دول أخرى، ويمكن كذلك الإشارة الى موقف بعض الأحزاب اليمينية العنصرية في أوروبا وهي تستغل الأزمة الراهنة لتُصّعد من حملاتها العنصرية ضد المهاجرين والعرب والمسلمين والآسيويين المقيمين في أوروبا، تلك المواقف وغيرها  لا تعني أن المشاعر الإنسانية النبيلة كانت غائبة تمامًا في المشهد العالمي، لقد وجدنا هذه المشاعر وقد تفجرت لدى الملايين من البشر في العالم رفضوا وعبر صور شتى لا تخفى على أي متابع ترك إنسانيتهم تغرق في الوحل..!

على الصعيد المحلي، وجدنا من تاجروا في الأزمة وحوّلوها إلى فرصة من تجار الأزمات، تاجروا فيها اقتصاديًا وتجاريًا وحتى سياسيًا، ومن احتكروا أو خزنّوا السلع الغذائية والدوائية لرفع أسعارها أضعافًا مضاعفة، وأولئك الذين لم يتورعوا عن بث الإشاعات والأكاذيب لحسابات معينة هي أبعد ما تكون عن المصلحة العامة، أو لإثارة تفاعل من الجدال وتسجيل عدد من التعليقات والإعجابات في السوشال ميديا، ووجدنا شركات وأصحاب أعمال استغلوا الظروف التي خلقتها أزمة كورونا ليستهتروا ويتلاعبوا بحقوق العمال البحرينيين وغير البحرينيين، ومن أوجه هذا الاستغلال إجبار العاملين لديهم على الخروج في إجازات سنوية بدون راتب ثلاثة أشهر لكي يستفيدوا من الرواتب المدفوعة من الدولة للعاملين في القطاع الخاص، وأيضًا بعض البنوك التي سعت إلى المساس بهذه الرواتب في تسوية التزامات مالية على بعض الموظفين، وهو الأمر الذي دعا مصرف البحرين المركزي إلى إصدار بيان للبنوك يحذر فيه من المساس بهذه الرواتب..! 

الصور اللاإنسانية تواصلت في أشكال أخرى منها ما تجلى في مدارس خاصة استغنت عن خدمات معلمات وتعاقدت مع أخريات بنصف الراتب، ومدارس أخرى فرضت خيارين للعاملين فيها إما استقالات طوعية أو تجديد التعاقد برواتب أقل وامتيازات معدومة، يضاف إلى ذلك من استغلوا العمال الوافدين تاجروا في إقاماتهم، وتركوهم في ظروف عمل صعبة، وعشوائية، وبيئة سكنية وصحية بائسة، ورواتب لا تسلّم بانتظام، هذا إن سلمت، والإنسانية كانت غائبة عند عنصريين «قرفونا» بتعليقات عنصرية وتمييز وكراهية ضد هؤلاء العمال، والدعوة إلى «التخلص منهم»، في عنصرية فجة ونكران للجميل..! 

 ذلك الانحطاط لا يعني بالنسبة لنا عدم ظهور نماذج عديدة جسدت القيم والمعاني الإنسانية، نماذج مضيئة مشرّفة في البذل والعطاء والنبل والإيثار، نماذج لأناس كثر من كل أطياف المجتمع البحريني اتضح مجددًا معدنهم في هذه الظروف العصيبة، وتركوا بصمات لا تنسى في مواقع شتى من مواقع العمل والمسؤولية، منها ما تجلى في مبادرات وإسهامات متنوعة في أكثر من مجال وميدان عبّرت في مجملها عن مسحات إنسانية غير ملتبسة، المتطوعون، والمتبرعون، والداعمون، والمساندون، ومن تصدروا الصفوف الأولى من كوادر طبية وتمريضية وفنية، ورجال أمن، وغيرهم، وكل من عملوا في كل الاتجاهات، ومن قدموا العون للمحتاجين والفقراء والعمال الوافدين، وكل من يقف وراء كل تلك المسحات الإنسانية وكل جهد إنساني، والتحية والتقدير لكل الناس المؤمنين بالإنسانية، وينادون بها، والأهم، يترجمونها في تصرفات وأقوال وأفعال، ولكل من يقف وراء فكرة الإنسانية في مجتمعنا كي تكون فكرة محورية وجعل هذا المجتمع حارسًا على إنسانية أبنائه..!

يا ترى، هل يمكن في مرحلة ما بعد كورونا أن تكون الأسس والمقتضيات التي تبنى عليها فكرة الإنسانية موضع اهتمامنا وبحثنا، وكيف نعزز حضورها في واقعنا، حتى لا تبنى الفكرة على أسس رخوة..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها