النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11420 الثلاثاء 14 يوليو 2020 الموافق 23 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:23AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

نحو كيان خليجي متماسك ورؤية استراتيجية جديدة (2)

رابط مختصر
العدد 11357 الثلاثاء 12 مايو 2020 الموافق 19 رمضان 1441

استكمالاً لمقال الأسبوع الماضي حول ضرورة قيام مجلس تعاون خليجي متماسك وفق رؤية استراتيجية جديد بعد مسيرته التي قاربت من عمرها (39)، وبعد تعيين أمين عام جديد في شهر (يناير 2020م) في سابقة جديدة لإجراءات تعيين الأمناء العامّين التي عادةً ما تكون في (الأول من أبريل) بسبب رغبة مملكة البحرين في تعيين معالي الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني الأمين العام السابق وزيرًا للخارجية، وما يواجهه معالي الأمين العام الجديد من تحدياتٍ كثيرة وكبيرة، علَّ أشدّها حساسية هو ملف الأزمة القطرية التي زلزلت البيت الخليجي وصدَّعت جدرانه، بعدما كانت محاولات التوصل إلى حلول جذرية للمشاكل الناتجة عن التصرفات القطرية تُدار لسنوات طوال بصمت وسرية وبتكتم شديد بعيدًا عن الأضواء حِفظًا للعلاقات الأخوية والروابط الجامعة بين دول مجلس التعاون، فألقت هذه الأزمة بظلالها على العمل الخليجي المشترك وخطوات التكامل الاقتصادي والمواطنة الخليجية التي وصلت قبل الأزمة إلى مستويات متقدِّمة.

إن منطقة الخليج ليست في معزل عمَّا يعيشه العالم من أزمات، فهي تعيش على فوهة بركان بسبب ما يمرّ به العالم من أزمات اقتصادية وسياسية وصحية وأمنية تتطلَّب التعاون والتعامل الإيجابي والسريع معها، وذلك بالتفكير فيما يلي:

أولاً: بناء مجتمع خليجي قائم على التعددية الصحيحة وبالمشاركة الشعبية الفاعلة في إدارة الحكم عبر البناء على ما هو قائم من إنجازات مهمة؛ بهدف ترسيخ التعددية وبناء مجتمع واعٍ، خصوصًا بعد أن ينحسر وباء كورونا الذي ستكون له بلا أدنى شك تأثيرات عظيمة على مختلفة المستويات، فالحكومات الخليجية أثبتت نجاحها المذهل في إدارة هذه الأزمة وكان نجاحها محل إشادة المجتمع الدولي، وهو ما يؤكد إدراكها السليم لمصالح مواطنيها، وقد يكون هذا النجاح من الأسباب الرئيسية لاستكمال مجلس التعاون لمسيرته التي تعمل على تحقيق رؤية متقدمة لحماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير وتحقيق العدالة والمساواة والقبول بالآخر والقضاء على الفساد، وهي المبادئ التي تنتهجها جميع دول مجلس التعاون وتقوم عليها رؤاها المستقبلية المتضمنة خططها الاقتصادية والتنموية، كرؤية الإمارات 2021، ورؤية البحرين الاقتصادية 2030، ورؤية المملكة العربية السعودية 2030، ورؤية قطر الوطنية 2030، ورؤية الكويت 2035، ورؤية عُمان 2040.

ثانيًا: بناء شراكات استراتيجية مع بعض القوى العربية المحيطة بدول مجلس التعاون (كمصر والعراق والأردن واليمن) متعددة في مستوياتها وفقًا لحالة كل دولة من هذه الدول؛ لتكون مصدر قوة وعمق استراتيجي يقوم على برنامج سياسي واقتصادي وأمني ودفاعي يساعد على إلغاء حالة التحدي ومصدر الخطر ويؤدي إلى حالة شاملة من الأمن والاستقرار، لأن تجارب العقود الماضية أثبتت حجم المشكلة والفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي تتطلَّب حلولاً تساعد على رفع مستوى هذه الدول وتحقق لها نموًا اقتصاديًا، باستثناء العراق الذي يحتاج أولاً إلى إدارة رشيدة لثرواته المائية والنفطية والزراعية بعد إبعاد النفوذ الإيراني المتحكم في مفاصله.

ثالثًا: الإسراع في إنشاء مناطق حرة للتجارة مع الصين والهند واليابان بحكم قوة هذه الدول اقتصاديًا، وأهمية التوازن في العلاقات معها، مما يعطى دول مجلس التعاون مساحة واسعة لحرية الحركة واستقلالية القرار السياسي والاقتصادي، خاصة إذا تمكَّنت من تأسيس الحكم الرشيد.

وبهذا الإطار الجماعي سوف تزداد أهمية مجلس التعاون عندما تتعامل مع القوى الكبرى رغم ما يواجه هذا الإطار من صعوبات نتيجة سياسات تلك القوى، كالولايات المتحدة الأمريكية التي ترفض (التعامل الجماعي) وتصرّ على (التعامل المنفرد) مع دول المجلس، وقد شهدتُ ذلك الأمر واقعًا خلال العديد من المفاوضات السياسية التي شاركتُ فيها رئيسًا لفريق البحرين أو عضوًا فيه برئاسة معالي وزير الخارجية، كالمفاوضات التجارية التي تمَّت على مدى ستّ سنوات بين (الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون) وفشلَت في الاتفاق على اتفاقية التجارة الحرة بينهما رغم إنجاز (99%) من بنود المسودة، وكنتُ رئيسًا للفريق التفاوضي البحريني في الفترة من (2000–2001م) وسفيرًا لمجلس التعاون في الاتحاد الأوروبي ومسؤول مسؤولية مباشرة عن هذه المفاوضات في الفترة من (2002–2008م) ودخلتُ وفريق مجلس التعاون في معارك سياسية واقتصادية حتى أُعلن عن توقف تلك المفاوضات بسبب موضوعين هما (حقوق الإنسان ورسوم الصادرات)، لتأتي بعدها دولاً أوروبية تطلب عقد مفاوضات ثنائية مع دول المجلس كإيطاليا والمملكة المتحدة وإسبانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي!

إن اتفاق دول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع الاتحاد الأوروبي يُعَدّ أولوية وضرورة، خاصة عند تشابك المصالح الاقتصادية وربطها بالاقتصاد العالمي، إضافة إلى دور هاتين القوتين في تعزيز الأمن في منطقة الخليج العربي لحماية مصالحها التجارية وضمان استمرار تدفق النفط عبر الممرات البحرية الدولية ومواجهة التهديدات الأكثر خطورة والتي تشكلها (إيران) والتصدي لسياساتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة عموماً وفي الممرات البحرية خصوصًا.

وهنا يجب الوقوف عند التهديدات الإيرانية التي ترجمها واقع الأحداث والتصريحات المستفزة والمتعددة والمتواصلة التي تطلقها القيادات الدينية والسياسية والعسكرية والبرلمانية الإيرانية، وكانت آخرها تصريح الرئيس حسن روحاني خلال جلسة مجلس الوزراء الإيراني بتاريخ (29 ابريل 2020م) عندما قال: (إن الخليج الفارسي كان وما زال يمثِّل واحدًا من مصادر الطاقة الكبرى في العالم، وبالتالي فهو منطقة مهمة وحساسة، وهو يعود إلى الشعب الإيراني ويحمل هذا الاسم منذ القدم وسيبقى يحمله، وكل المحافظات المتشاطئة على الخليج الفارسي (خوزستان وهرمزكان وبوشهر وسيستان وبلوشستان والمحافظات القريبة منها) كانت ومازالت تمثِّل حارسًا أمينًا له، وطالما وقفت بوجه الاعتداءات الأجنبية، وهي تقف اليوم ببسالة للدفاع عن الخليج الفارسي ... وعلى الأمريكيين أن يعلموا أن اسم هذا الممر المائي هو (الخليج الفارسي) وليس خليج نيويورك أو واشنطن، وبالتالي عليهم أن يأخذوا بنظر الاعتبار ويحسبوا حسابًا لهذا الاسم ولهذا الشعب الذي حافظ على هذا الممر المائي لآلاف السنين، وأن يكفّوا عن حياكة المؤامرات يوميًا ضد الشعب الإيراني ..)!

ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تسير في المسار الصحيح من خلال اعتبارها خطر تطوير إيران للأسلحة النووية يشكِّل جزءًا من المشكلة الإيرانية وليس كلها؛ فإيران من خلال تدخلها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، ورعايتها للعمليات الإرهابية باستخدام أذرعها الطويلة عدد من دول الخليج والدول العربية، وسيطرتها على القرار السياسي في العراق وسوريا ولبنان واستغلال حلفائها الحوثيين في اليمن تسعى إلى تخريب وزعزعة استقرار المنطقة لإضعاف دول المجلس والإخلال بالأمن القومي الخليجي الذي هو امتداد للأمن القومي العربي المُخترَق أصلاً من قبلها في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن، وهي تمهِّد بذلك لتصبح طهران بشكل عمليّ قلب القرار السياسي والاقتصادي والاستراتيجي في منطقة الخليج العربي!

لذلك، من المهم جدًا تثبيت مكانة مجلس التعاون الخليجي على الساحة الإقليمية والدولية، وبناء أسس جديدة تزيده قوة وترابط ومنعة وتحفظ وجوده وتعزّز قوته وتأثيره الإقليمي والدولي، من خلال العزم الجماعي الثابت لمواجهة التهديدات التي تستهدف دول المجلس وتهدد كيانه، ودفع انطلاقة مسيرة العمل المشترك نحو بناء كيان خليجي جديد قويّ ومتماسك.

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها