النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11727 الإثنين 17 مايو 2021 الموافق 5 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:22AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:18PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

حوار مع أستاذ

رابط مختصر
العدد 11356 الإثنين 11 مايو 2020 الموافق 18 رمضان 1441

فرق كبير بين البحث العلمي والمقال الصحافي، لكنه الجدل المفضي إلى الحقيقة، والمناقشة العويصة التي تؤدي إلى نتائج ليست وخيمة، والنفس الطويل عندما «تنقطع» به السبل، فلا يجد من مأوى غير التلاسن بالأفكار، والتحاور بعلامات التعجب، والنزول على رغبة الحجة الأرجح، والبرهان المختلف عليه.

نعم- مجرد مناقشة مثل غيرها، بيني وبين رئيس الجامعة الأهلية البروفيسور منصور العالي، بين صحفي يرى في الأشياء ظواهرها، وأستاذ أكاديمي لا يرى سوى التثبت من اليقين، والتحقق من النتائج، والتجريب على أساس علمي يغلبه المنطق، وتدبره الحجة، وتنعم به الخليقة.

البروفيسور يرى في أن المقال غير المفيد، الذي لا يحتوي على حقائق معلوماتية، ومعلومات يقينية، ونصائح تعيد الأمور إلى نصابها، هو بالتحديد مثل الوجبة الدسمة اللذيذة التي تغني لكنها لا تسمن من جوع، أو أنها تسمن من جوع لكنها لا تغني، تمامًا مثل «التيك أوي» الجاذب بطعمه وشحمه ولحمه، لكن في النهاية يُصلِّب الشرايين، ويرفع الكوليسترول، ويضاعف من معدلات السكر في الدم.

البروفيسور العالي يبحث عن بحث علمي في مقال صحافي، عن فيتامين «D» ضد وجبة فكرية ممنوع عليها البهارات، وغير مسموح لها بتناول «الكوكا كولا» بعد كل مضغة، أو قبل كل رشفة، أو بين كل وجبة ووجبة.

هو في الجانب العلمي يدقق، يحترز، يبحث عن المردود من المقال، لابد على حد قوله أن يكون المقال الصحافي مفيدًا، وليس موضوعًا للإنشاء، لا يسيل اللعاب ثم يتركنا للقيل والقال، نضرب أخماسًا في أسداس، وفي النهاية لا يكون لنا من وجع الدماغ لا ناقة ولا جمل، البروفيسور يبحث عما هو مفيد في «كورونا» أيامنا، وعن ما هو صحي في وباء دنيانا، وعن ماهو مؤكد في خيالات أحلامنا.

رغم ذلك، يتفق معي، لا يذهب بعيدًا مع الـ«أون لاين»، ولا يقترب كثيرًا من ملامسة الأشياء أو تركها على عواهنها، ينحاز إلا قليلاً للمشاعر التي تنغمس فيها المقالة، الأهداف السامية التي تحملها، التوجيه والتحذير، أن تعبر عن مشاعر، وعن مكنون، وعن ظواهر، لذا كان طبيعيًا أن يرى في البحث العلمي أداة للتقدم، استحداث لصفحات جديدة من العلم والمعرفة الإنسانية، هو العلاج الناجع، والدليل القاطع على أن المشكلات والقضايا والمعضلات يمكن أن نجد لها حلًا.

من هنا كان التقائي مع الدكتور العالي مشروطًا بحروف علة وأدوات نصب، بعلامات مختلطة على الطريق، قلت له: معك حق، لابد أن نكون مفيدين نحن الصحافيون، أن نبحث قبل أن نكتب، وأن نقايض قبل أن نبيع، وأن نحمل المباخر، بعد أن يقرر الأساقفة مصير البابا القادم في الفاتيكان.

إنها رؤية أستاذ جامعي جليل للمقال الصحافي عندما يشذ عن الطريق، وفي الفكرة الطارئة حين تصاغ بقلم مقصوف في المهد، وفي النوعية السائدة من المقالات المبتسرة في دنيا الاجتزاء والتجني والابتعاد عن المهنية، وغض الطرف عن الكتابة بأنها علم وفن وأخلاق، وليست جهل وفوضى، وانعدام أخلاق.

و.. قلت للبروفيسور العالي: أتفق معك، بأن المقال الصحافي لابد وأن يكون مفيدًا، لكن يا سيدي ألا ترى معي معيار الفائدة من المقال هنا يجب أن يقاس بالمردود المعنوي والذهني وليس بالنتيجة العلمية المعملية البحتة، ألا ترى معي يا بروفيسور أننا قد نقع في شبهة خلط بين البحث العلمي والمقال الصحافي، أتفق معك تمامًا بأن المقال الذي لا فائدة منه، عدم وجوده أفضل، ولكن اسمح لي أن أختلف معك أيضًا بأن الأثر الذي يتركه المقال الصحافي الحقيقي المكتوب بأصول المهنة وبموهبة صاحبها، وبدقة معلوماتية وذهنية تجاربها، يختلف تمامًا عن الأثر الذي يذهب إليه البحث العلمي، إن البحث العلمي لابد وأن يخضع لتجربة واضحة محددة محكمة، ولقيمة معترف بها ومعتمدة، وموثقة، ألا ترى معي أن البحث العلمي يمكن أن يجريه فريق عمل وليس شخص واحد، وأنه قد لا يحترم خصوصية الفرد بما فيه الكفاية بل ويتخطاه إلى خلط لا يراه العلماء مخلًا بأصول ومرتكزات وأهداف وغايات التجربة، في حين أن المقال الصحافي لا يجوز إشراك أي طرف آخر في إنجازه غير كاتبه، غير صاحبه، غير الشخص المعني بالأمر وحده.

وهنا لم يتردد البروفيسور العالي في الاتفاق معي رغم إعادتي معه إلى المربع الأول، الذي يؤكد فيه على أن الكلام الفضفاض لا محل له من الإعراب، وأن الإنشاء في التعبير عن فكرة أو حدث لا يمكن إقحامها على عروش الإبداع الأدبي أو الفني، حيث أن الأثر الذي يحدثه المقال في النفس وفي الذوق العام، وفي الفكر النوعي للمجتمع لابد أن يرتكن على قواعد أخلاقية، ومعطيات علمية، وتجارب معملية، لابد مثلًا – «يقول العالي» – أن يكون المقال مؤثرًا بقدر ما يحتوي عليه من معارف وتجارب ومعلومات، وليس بقدر ما يحمله من لفتة جميلة وكلام مرسل ومحسنات بديعية، قلت له: نعم أتفق معك، نعم أختلف معك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها