النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11450 الخميس 13 أغسطس 2020 الموافق 23 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

ثلاثية الحرية والمسؤولية والقانون

رابط مختصر
العدد 11356 الإثنين 11 مايو 2020 الموافق 18 رمضان 1441

لا يوجد مجتمع متقدم ومتحضر إلا وستجد فيه هذه الثلاثية متناغمة ومنسجمة وسائدة بشكل واضح تمامًا.

ففي المجتمعات الديمقراطية العريقة تأسست هذه الثلاثية عبر مسيرة طويلة صعبة وشاقة من التجارب العسيرة حتى أقامت الهرم الذي ظل عقودًا يحمي التجربة والمجتمع ويُبدع على طريق العطاء والقدرة على التجاوز.

فالحرية بلاشك مطلب وضرورة، لكن دعونا نتفق هل هناك حرية مطلقة بلا حدود وبلا شروط وبلا متطلبات ولا ضوابط تضبطها لتحمي الحرية ومفهوم الحرية من الانزلاق إلى الفوضى فتكون أحد أسبابه.

وبالتوازي كان لابد وأن تشيع ثقافة المسؤولية لتحمي الحرية وتتكفل بإعطائها ورفدها بالقوة والمناعة للاستمرار والنمو والارتقاء دون أن تحرق نفسها باللامسؤولية، فالحرية تقتل ذاتها بذاتها حين تكون بلا مسؤولية.

ولعلي هنا أستحضر وأستذكر المثال الذي طرحه منذ سنوات المفكر السعودي أستاذ النقد والأدب الدكتور عبدالله الغذامي، عن السائق الذي يقود عربة في الطريق العام وهي مزدحمة بالركاب، فتظهر أمامه إشارة حمراء تطلب منه الوقوف طبعًا، ويقول الغذامي إنه يملك هنا الحرية في أن يواصل سيره وقيادته للعربة فلا يقف لكن المسؤولية عن أرواح ركابه تفرض عليه الوقوف.

فهو حرٌ من جانب ولكنه مسؤول من جانب آخر، فهي ثنائية الحرية والمسؤولية، فلو كانت الحرية في مثال وحالة السائق بلا مسؤولية لجاءت نتيجة هذه الحرية كارثة ومأساة، لكن المسؤولية أخذتها إلى الأمن والطمأنينة.

ولو طبقنا هذه المثل أو المثال على مجتمعاتنا لنطق بنذر الكارثة اذا كانت الحرية بلا مسؤولية ولبارك لنا اذا كانت الحرية مقترنة بالمسؤولية.

ويؤطر الحرية والمسؤولية القانون في مفهومه الحضاري المتأصل وفق الواجبات والحقوق كمنظومة تعايش مجتمعي سلمي تفتح آفاقه الأوسع تحت مظلة القانون التي أصبحت اليوم مطمع كل الشعوب كدولة مؤسسات وقانون.

فالقانون لا يقمع الحرية وإنما يحمي الحرية من فوضى الحرية اذا كانت بلا قانون وبلا مسؤولية حتى تغدو حرية الغاب والتوحش والتغوّل فتسطو النوازع البشرية على قيم كثيرة مثل الحرية والمسؤولية.

وأكثر المجتمعات طعنًا في القانون هي المجتمعات المتخلفة الشديدة التخلف، وأكثر الجماعات استصغارًا بالقانون ومطالبة بالحرية بلا مسؤولية هي الجماعات التي تُسمي نفسها هناك في بلادنا بـ«المعارضة».

فهي تطالب «بحرية» بلا مسؤولية، حرية مطلقة لها وحدها تفعل ما تشاء وتقول ما تشاء، وعندما يساؤلها القانون تحتج وتشنّع وتشوه كونها ترفض المسؤولية وترفض القانون وتحتكر الحرية وفق مفهومها ووفق هواها ومزاجها ولمصلحة ايديولوجيتها.

والحرية المؤدجلة هي أخطر قامعٍ للحريات الأخرى المختلفة عن نسق ايديولوجيتها ناهيك عن تلك التي تعارض ايديولوجيتها، فتمارس أعتى أشكال حريتها الايديولوجية لقمع وضرب حرية الرأي الآخر، وتستهين بالمسؤولية المجتمعية كضابط لايقاع الحريات وفق مصلحة الجميع كما وتتجاوز القانون بتقصد للنيل من القانون ذاته وتعطله.

ولو تخيلنا مجتمعاتٍ تنفلت فيها «الحرية» المزعومة بلا ضابطٍ من مسؤولية وبلا ضابط من قانون، وتركنا لمثل هذه «الحرية» أن تضرب ذات اليمين وذات الشمال، وكذلك «الحريات» المماثلة الأخرى تمارس ما تمارس هذه «الحرية» لتحولت مثل هذه المجتمعات إلى جحيم يأكل بعضه بعضًا ولاحترق الجميع بنار مثل هذه الحرية المزعومة.

وحتى حريتك داخل بيتك منضبطة وتضبطها المسؤوليات من كل فردٍ من أفراد هذا البيت وتنتظم وفق قوانينه الخاصة به حتى تستمر العلاقات داخل البيت الواحد الصغير متكافئة ومتعايشة، فما بالنا بالحرية في المجتمعات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها