النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

أنماط الخوف من كورونا

رابط مختصر
العدد 11351 الأربعاء 6 مايو 2020 الموافق 13 رمضان 1441

سلطان السلاطين في العالم اليوم هو الفيروس كورونا، فهو السيد السائد بالمطلق والآمر الناهي دون منازع، كل البشر، من أعلى سلم الأهرامات النظامية والتنظيمية كلها إلى قاع الأهرامات، الكل دون استثناء يأتمر بأوامره ويرتجف من سلطته الجبارة المرعبة، وهو يؤدي دوره الفيروسي بصمت مطبق وفاعلية خارقة تشل نشاط الإنسان وتربك عقله وتزلزل نفسه...

سلطة بهذه المكانة، لها الحق وعلينا الواجب أن نكرِّس كل جهودنا، من فكر وتعبير وعمل، للاستجابة لسلطانها علها تتركنا في حالنا وتودعنا، ووداعه عيد يعلو فوق كل الأعياد. ومن موضع هذا الحق والواجب، أرى أنه ليس من أمر اليوم يهم الناس سوى معرفة المزيد عن هذا السلطان، وتعلم المزيد من الدروس التي بثها ونشرها بصمت والكل يصغي لها، وكأنه الوحي الذي ينبئ بالرؤية في كامل الكيان البشري، من جسد ونفس وعقل، أمام هذا السلطان، للجسد استجابة مادية للنفس استجابة روحية وللعقل استجابة فكرية...

دروس كثيرة وهي فيض من التربية والتعليم، فالكوارث بأنواعها وتأثيرها وآثارها تربينا وتعلمنا، ومن لا يتربى ولا يتعلم فإنه موجود بذاته دون حضور في الوجود. وننتقي من هذا الفيض أول درس والذي ابتدأ بأول رد فعل، وهو «الخوف»، وسيبقى الخوف سائدًا إلى أن يحين يوم الوداع، نودعه أو يودعنا. إذا ودعناه فعندها تسكت شهرزاد عن سرد قصة الحياة وتتنفس الطبيعة الصعداء، أما إذا ودعنا، يتنفس الإنسان الصعداء، وكل يذهب إلى غاية قد لا تكون غايته قبل الأمس، والكل يذهب إلى موضع في سلم الأهرامات قد لا تكون موضعه كما كان بالأمس... إن الحياة بعد وداع كورونا سوف لن تكون كما كانت قبل قدومه غير المبارك علينا، هكذا تغرِّد بعض الألسن. الضيف المزعج القاسي لم يزرع الخوف فينا، بل فتح باب الخوف الكامن في أعماق نفوسنا، واستيقظ الخوف من نومه. كل الحالات، ذات الطابع النفسي، التي يتعرض لها الإنسان ويتعارك داخليًا معها، بذرتها مغروسة في ذات الإنسان وهي جزء من مكوناته النفسية، وهذه البذور المغروسة في ذات الإنسان تكون في حال سبات إلى أن يأتي مؤثر خارجي يحفزها (يوقظها)، فتنتفض أول ما تستيقظ ومن ثم تدب دبيب النمل في كامل أوصال الجسم، وتستحوذ على نواصي العقل وتوجه سلوك صاحبه، إلى أن يغادر المؤثر الخارجي وتطمئن البذرة النفسية وتعود إلى مخدعها، ويستعيد الجسم هدوءه ولكن الإنسان (صاحب الجسم) لن يعود بالكامل إلى سابق عهده، فالتأثير النفسي، اعتمادًا على حدته ومدته، يترك أثرًا مغايرًا ومغيرًا، دائم أو شبه دائم أو مؤقت؛ وفي أفضل الحالات، بعد زوال الأثر بفترة من الزمن، يتحول الأثر إلى إرث في ذاكرة الإنسان، يستعيد تاريخها ويرويها من باب الطرافة أو سرد قصة الحياة، ويمثل الأثر تجربة، ذات قيمة مضافة، في حياة الإنسان.

الخوف أنواع بذاته، وأنواع لأثره، والذي يهمنا في هذا الموضوع، هو أنواع الأثر الذي يتركه نوع من الخوف في الإنسان، ليس الإنسان في فرديته الذاتية، ولكن الإنسان في فرديته الاجتماعية... 

مصدر الخوف، في التعريف العام، هو الوعي اليقين بوجود خطر، ومقابل هذا الخطر، الوعي اليقين بالعجز أمام هذا الخطر، لأن من يستطيع أن يتغلب على الخطر بثقة تامة، لا يشعر بالخوف من الخطر، مثل الأسد عندما يأتيه الأرنب مهددًا... أبشع أنواع الخوف ذلك الذي يكون أثره الموت المحقق، وليس من رهاب على الإنسان أمض من إحساسه بوجود خطر مميت، فالكل يخاف على حياته، و خاصة من لم يكملوا دورة الحياة إلى مقربة الخريف، و هذه هي الفطرة الأولى في الخلية الحية. 

قد يظن البعض أن الوباء قد وحَّد الناس في وحدة الخوف، أي أن الإنسان أمام الخوف واحد، كان من كان هذا الإنسان، من قمة السلم الاجتماعي إلى قاعه، هذا ما يبدو من أول وهلة، وعلى سطح الانفعال. الواقع الاجتماعي ذات الطابع الطبقي بطيف الثروة، التدرج في مروحة الثروة والتدرج في مروحة الفقر والمنبوذون خارج مملكة الغذاء، هذه التشكيلة المتفاوتة في امتلاك، تقريبًا، كل شيء إلى امتلاك لا شيء، لا يتوحّد فيها الخوف. فخوف من يملك غير خوف من لا يملك، وخوف المرفه في الحياة غير خوف المعذب في الحياة. حتى ننقل الفكرة عن تعدد أنماط الخوف، ودون استرسال مطول عن مجمل الطبقات الاجتماعية، نختزل أنماط الخوف بين المرفه بإفراط في الحياة، وهو في أعلى سلم الهرم الطبقي، وبين المعذب المنبوذ في الحياة، وهو تحت قاع الهرم الطبقي، وبينهما تتدرج بقية الطبقات الاجتماعية، فارق الخوف بين قمة الهرم وقاع الهرم نوعي، بينما فارق الخوف بين الطبقات الاجتماعية الباقية، بين المستويين، نسبي. 

إن الذين يتربعون على قمة الهرم، خوفهم مزدوج، فهم يخافون على حياتهم وعلى فقدان متعة الحياة وفقدان الثروة والجاه، ولسان حالهم: «هل يعقل أن أموت وتذهب كل هذه الثروة سدىً، وأفقد سلطتي ومكانتي الاجتماعية، وتتبخر متعة الحياة، ويكون حالي مثل الفقير والصعلوك، قبر واحد يجمعنا»، فهذا الإنسان يتلبسه الخوف والعذاب والحسرة وحتى حسرة فقدان الفرص (فرص الربح أثناء الوباء قالها الرئيس الثري ترامب بكل صراحة وبجاحة). على النقيض من هذا الحال المزري الذي يبكي الحال على صاحبه، هناك المنبوذون والمعذبون في الأرض فإن بذرة الخوف في نفوسهم، ليست نائمة ولكنها مخدرة بجرعات زائدة من ضنك الحياة، وهم مجرد دبيب على سطح الأرض، فهذا الجمع من أشباه البشر لا يملكون شيئًا يخافون عليه، بل في واقع الأمر فإنهم لا يملكون حياتهم حتى يخافوا عليها. الإنسان في بقية الطبقات الاجتماعية، يتدرج خوفه على حياته ونسبة ما يملك من ثروة وتراتبية السلطة والجاه، والكل، كحدٍ أدني، يملك حياته حتى يخاف عليها. 

هذا درس معرفي وتربوي تكرَّم به علينا المعلم الفيروسي كورونا، أما استيعاب الدرس وهضمه، فهذا شأن آخر، لأن الإنسان بفطرته مصاب بـ«متلازمة النسيان». التاريخ شحنة وخزينة لا تنضب من الدروس والعِبر، ولكن لا حياة لمن تنادي. مهما كان الخوف والعذاب الذي يمر به الإنسان، فإن حليمة تحن دائمًا إلى عادتها القديمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها