النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11418 الأحد 12 يوليو 2020 الموافق 21 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

رجل قتلته تحالفاته

رابط مختصر
العدد 11351 الأربعاء 6 مايو 2020 الموافق 13 رمضان 1441

لم يكن سياسيًا ولم ينخرط في حزب أو تنظيم سياسي طوال عمره «من مواليد 1954»، لكنه كان مسكونًا حتى النخاع بمنصب سياسي كبير، يبرز أو ينتقم من خلاله لسنوات الغربة والابتعاد والانعزال.

فقد غادر وطنه العراق صغيرًا لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، ومباشرةً بعد 14 تموز 1985 هرب من بغداد مع أشقائه ووالدته، ولم يعد إلى العراق إلا مع تراجع وضعف نظام صدام حسين، حينها داعبه حلم كبير.

كان ذكيًا ذكاءً حادًا، لكنه لم يلعبها «صح»، منذ أن كان تكنوقراطيًا ناجحًا وصل إلى سدة إدارة بنك بترا، فخرج منه هاربًا من تهمة الاختلاس، وعاش في أوروبا.

وفي أوروبا ومع تواجد جماعات الأحزاب الإسلامية الشيعية ذات الولاء الخميني والعلاقات الايرانية الغامضة، أقام معها شبكة علاقات متينة واستطاع نيل ثقتها كما اعتقد وكما ظن وهو منخرط بقوة وحماس وبخبرة رجل العلاقات العامة الناجح والتاجر الشاطر في تسويقها تلك الجماعات في العواصم الأوروبية وفي دوائر صُنع القرار فيها وفي واشنطن أيضًا بحكم علاقات سابقة له وبديناميكية من يفهم «العقل الغربي»، وخصوصًا العقل السياسي فيها.

وكلما زاد اعتماد جماعات وتنظيمات الأحزاب والتنظيمات الشيعية الولائية عليه في تنضيد وترتيب الاتصالات بالغرب كلما كبر في داخله طموح العودة إلى العراق رئيسًا لمنصب سياسي مهم لا يقل عن رئاسة الوزراء التي يجد نفسه جديرًا ومؤهلاً لها وهو الذي استطاع أن يحتويهم جميعًا تحت مظلة «المؤتمر الوطني» كما سمّاه وترأسه وأصبح صاحب القرار المؤثر فيه.

لكن شاهبندر التجار لم يفطن أن التجارة في سوق المال والاستثمار والبنوك تختلف عن التجارة في سوق السياسية وبين دهاليزها وكواليسها الماكرة.

لعب أحمد الجلبي بكل بيضة وبكل حجر وتنقل في اللعب بين الأحزاب الثيوقراطية الولائية والشيرازية والحوزوية، وبين اللعب في ساحة اليسار والحزب الشيوعي العراقي تحديدًا الذي ضمه إلى المؤتمر الوطني العام، فكتب في دفتر طموحه المخبوء في قلبه ضمنتهم وضمنت المنصب الأهم.

أقنع إدارة بوش الابن بضرورة التدخل بجيوشه، وأقنع الجانب الكردي والإيراني بالقبول بدخول الجيش الأمريكي الذي لا يحتاج سوى لغض الطرف عن احتلالهم بغداد، وعلى ظهر دبابة بريمر عاد أحمد الجلبي بابتسامة الزهو والانتصار حتى على حلفائه كما ظن واعتقد.

ولأن بريق الكرسي خطف بصره فإنه لم يستطع رغم ذكائه قراءة ورؤية بريق عيون حلفائه في الخارج على كراسي ومراسي الداخل، فاصطدم بحلمه وقد صار وهمًا في بغداد ولم يسعفه المحتل الأمريكي وقلب له بريمر ظهر المجن.

فتنازل ببقايا ذكاء ظل يلعب به، لكنه كمن يلعب في الوقت الضائع، أو بالأدق كان لاعبًا على «دكة الاحتياط» كما يقول التعبير والتوصيف الرياضي.

وكبرت الغُصة داخله وإن ظل مبتسمًا في غدوه ورواحه، حتى خنقته الغصة ذات فجر بلا ضوء داخل شقته، مات أحمد الجلبي الذي قتلته تحالفاته، فقيل سكتة قلبية وقيل فنجان قهوة مسمم دسّه له خادمه، لكنه ذهب بسره الدفين كما جاء بسره الدفين.

وبين الحلم وقد صار وهمًا تحت شمس بغداد الحارقة سقط أحمد جلبي ميتًا قبل أن يموت حين سحقت حلمه دبابات بريمر ومكر الحلفاء، أو نقول غدرهم؟؟!!

لعب الجلبي بكل الأوراق وراهن في سنواته الأخيرة على طهران فتقرب وتودد وعرض خدماته، ونظم مؤتمرًا ولائيًا من الهاربين من البحرين بعد فشل انقلابهم حتى ترضى عنه قم، فخرج من بين الحضور من قذفه بحذائه، واختفى ليظل الجلبي فاغرًا فاه حتى مات بين دهشة الغدر وضربة الحذاء الذي جاءه من أحد كوادر تنظيم ولائي خسر الجلبي في كسب ولائه.

قتله طموحه؟ قتله طمعه؟؟ أم قتلته تحالفاته؟؟ ستظل الأسئلة لغزًا كلغز العراق الذي فيه ولد وفيه مات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها