النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11418 الأحد 12 يوليو 2020 الموافق 21 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:21AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:10PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

الكورونا العراقية...

رابط مختصر
العدد 11346 الجمعة 1 مايو 2020 الموافق 8 رمضان 1441

 أتابع بشيء غير قليل من الاهتمام ما يذاع من البرامج السياسية الحوارية، وما أكثرها، على القنوات العراقية الإلكترونية، ولا أفوّت أيًّا من البرامج التي تتناول الشأن السياسي العراقي وتُبَثُ على أي قناة تلفزيونية أخرى أجدها عنوة ومصادفة باستثناء ما تبثه قناة «الجزيرة» القطرية الشريرة لفقدانها المصداقية في رأيي، ولأن ما تبثه هذه القناة لا يمكن أن يُنسب إلى العمل الإعلامي.

 مرد هذا الاهتمام بالشأن العراقي قلق بات يسكنني من أن يستمر العراق العظيم تحت حكم الأحزاب السياسية الطائفية المتسلطة، واستعجال لأمنيات شخصية بأن الله سيعتق الشعب العراقي من قبضة هذه الطغمة السياسية الجديدة التي هي أسوأ من أي نظام سبق له أن حكم العراق. العراق والعراقيون يستحقون نظاما سياسيا يوفر لهم الحرية والأمن ويعوضهم عن الحرمان الطويل والفقر، وينتشلهم من غياهب الجهل المريع الذي وجدناه صارخا بعد سقوط نظام صدام حسين، لهذا فإنني أزعم بأنني ملم بعض الشيء بتفاصيل المشهد السياسي العراقي المشوه بفعل ممارسات لا تمت لممارسات رجال الدولة بأي حال.

 في العراق، يدور اليوم جدل، تحاول الأحزاب الطائفية الحاكمة جاهدة، وفي نكتة سمجة، أن تضفي عليه صفتي: «ديمقراطي» و«دستوري». وموضوع هذا الجدل ترشيح رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي الذي كلفه في ظاهر الأمر رئيس الجمهورية برهم صالح رئيسا للوزراء بديلا عن الغائب طوعيا والمستقيل جبريا الدكتور عادل عبدالمهدي. ويأتي هذا التكليف بعد محاولتين اثنتين خائبتين كلف فيهما رئيس الجمهورية كلا من محمد علاوي وعدنان الزرفي وأخفق برلمان المحاصصات الطائفية في العراق في اختيار أي منهما. 

 الطبقة السياسية العراقية، التي تخلقت ووجدت على نحو أشبه بالسرطان مع بداية التخطيط للإطاحة بنظام صدام حسين وبعده، يستهويها أن تطلق على هذا الجدل، «حوارات ديمقراطية» تهدف الأحزاب السياسية الطائفية من خلالها إلى بلوغ التوافقات المطلوبة التي تضمن بقاء الامتيازات حكرا على هذه الأحزاب التي جاءت إلى السلطة كما كلنا يعرف في عام 2003 على ظهر الدبابة الأمريكية، وليس بذكاء منها كما يقول بعض السياسيين العراقيين المخضرمين. غير أن للجماهير العراقية المنتفضة منذ سبعة أشهر رأيا آخر؛ إذ أنها ترفض كل هذه «الحوارات الديمقراطية» وتطالب بإصلاحات جوهرية على العملية السياسية برمتها، وأول مداخل هذه الإصلاحات تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة شخصية غير جدلية مهمتها تقتصر على الإعداد لانتخابات مبكرة نزيهة ومحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين في ساحات الاحتجاج.

الطبقة السياسية وبدلا من أن تنشغل بالمطالب التي يرفعها المنتفضون والتي تعد المطالبة بتنحي هذه الطبقة السياسية واحدة منها، وعلى الأقل من باب التمثيل الديمقراطي أو السلوك الدستوري، فهي منشغلة بغير هذا ومركزة على امتداد الثمانية شهور الماضية بترشيح رئيس للوزراء من داخل نفس الطبقة السياسية المرفوضة شعبيا. والمثير للدهشة في «حوارات» الطبقة السياسية ومنظريها من المنتمين إلى الأحزاب الطائفية الحاكمة، أنهم يقرون مطالب المنتفضين، ولذلك فأنت ترى كل حزب يزايد على الآخر في اعترافه بهذه المطالب، إلا أن الواقع العملي ينطق بخلاف ذلك، فلا أحد من هذه الأحزاب يقدم شيئا ملموسا في هذا الجانب. بل إنك تراهم منغمسين كل هذا الوقت في البحث عن رئيس للوزراء يحفظ مصالحهم ويرضى عليه أرباب نعمة هذه الأحزاب في طهران أولا وواشنطن ثانيا، بدلا من العمل على تفعيل الحل الأمثل والأوحد؛ أي حل البرلمان وتشكيل حكومة مؤقتة للإعداد لانتخابات نزيهة وفق قانون انتخابي جديد وهيئة انتخابية مستقلة قولا وفعلا وجرأة في تطبيق القانون على المخالفين لقوانين نزاهة الانتخابات وشفافيتها.

 في خضم هذا الجدل البيزنطي لفتني قبل يومين قرار اتخذته السلطات العراقية بتخفيض الإجراءات الاحترازية التي قيل إنها مشددة ضد كوفيد 19، ولعل ذلك يقع ضمن المتاجرة السياسية بصحة الشعب العراقي؛ إذ أن العراق من الدول التي تفتقر إلى بيئة صحية مناسبة للتصدي للوباء الذي عجزت عن وقفه دول بسلطات سياسية مكتملة ومؤسسات تقودها كفاءات جاءت بناء على تخصصات علمية! فما بالك بدولة تتلاعب بمصيرها أحزاب سياسية تعتمد المحاصصة الطائفية منهجا في الحكم.

 كان مضحكا ما كنت قد استمعت إليه في أحد البرامج الحوارية المخصصة لمناقشة فيروس كورونا، والبرنامج من تقدم الإعلامية المميزة في قناة (دجلة) سحر عباس جميل، حيث كان ضيف البرنامج، وأعتقد أنه كان وكيل وزارة الصحة، يقول في معرض مقارنته، التي لم تكن مطلوبة أساسا، بين استعدادات بلاده (العراق) واستعدادات الدول المجاورة بأن «العراق أفضل حالا من دول الجوار في مواجهته للوباء»! الكذب الذي يمارسه السياسيون العراقيون على الشعب العراقي منذ عام 2003 هو سر استمرارهم في سدة الحكم. 

 الحالة العراقية ابتليت قبل جائحة الكورونا بجائحة أشد نخرت كل مقومات الدولة، وأتاحتها نهبا لميليشيات طائفية تزيت بزي الأحزاب السياسية، فجمعت بين وقاحة حمل السلاح بدلا عن الدولة لمحاربة الدولة ووقاحة اللصوص الذين حصدوا الأخضر واليابس في العراق الجريح، وبرهنت ميليشيات اللصوص في أكثر من مناسبة أن حماية الشعب العراقي من أسباب ضعفه وهوانه وتفقيره لا مكان له في أجنداتهم المملوءة وقاحة لا حد لها؛ لأنها ببساطة تستهين بتاريخ العراق العظيم.

 باختصار يمكننا القول انه بعد حكم الإخوان المسلمين القصير في مصر، تعطي الأحزاب الطائفية الحاكمة في العراق درسا آخر للشعوب العربية كافة بأن الأحزاب السياسية الإسلامية كافة غير مؤهلة لقيادة أي بلد كان. أتمنى أن يكون الحكم في العراق الدرس الأخير الذي لا نحتاج بعده آخر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها