النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11494 السبت 26 سبتمبر 2020 الموافق 9 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:29PM
  • العشاء
    6:59PM

كتاب الايام

طاعون كامو المتخيّل 3/‏3

رابط مختصر
العدد 11345 الخميس 30 ابريل 2020 الموافق 7 رمضان 1441

دون شك يضعنا كامو أمام مشاهد درامية ومشاعر مأساوية وظواهر لزمن ذلك الوباء كانوا السكان يعيشون حالة الجوع، والفراق والصراع مع الطاعون والموت، الإحصائيات والشائعات، والنشرات الإخبارية، القيظ والغبار، الجنائز والشرطة وسيارات الإسعاف، التي لا تتوقف صوت صفاراتها، حالة اليأس والرتابة، الفراغ والعجز، النفي والخوف والشوق، كلها اختلطت كمشاعر إنسانية ثم انفجرت فبرزت أعمال العنف والسرقات والحرائق فأضفت حالة أخرى على سوء الوضع من كل جانب. لا تخلو الرواية من إسقاطات رمزية على واقع الحرب والاحتلال النازي عاصرها كامو. تجاذبت رواية الطاعون بين كامو الكاتب السردي المعلق بأذيال الفن الروائي وكامو الفيلسوف الوجودي الذي تخيل العالم كسجن كبير. تجسد لنا هذا العالم الرمزي في رواية الطاعون، حيث تنسج الرواية عزلة مدينة صغيرة عن العالم بسبب انتشار وباء فيها كمدينة وهران زمن الاحتلال الفرنسي. تتكثّف الرواية حول شخصيات قليلة محورية أمثال الطبيب برنار وتارو وبانلو وكوتار و شخصيات أخرى هامشية. هكذا ردد الطبيب برنار، الذي عاش تجربة الطاعون في الصين وفي باريس قبل عشرين سنة ليتحدث بثقة: «ما لم ندركه نتيجة استغراقنا الدائم في ذواتنا، أن الطاعون والحروب تحصد الناس على حين غرة». هناك ترابط ملحوظ كما يراها النقاد، بين رمزية الرواية واحتلال النازيين لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، مستندين في نظريتهم إلى تجربة كامو خلال تلك الحرب كواحد من رجالات المقاومة الفرنسية ومحررا سريا لصحيفة «كومبات». يمثل تارو شخصية القاضي نموذج الوعي والضمير في لحظة التأنيب والعجز والاستفاقة، حيث يقول بسخرية حادة بعد فقدان قدرته على النوم: «من حق الناس الصالحين السماح لهم بالنوم ليلا!!» بعد ان شهد بأم عينيه حالة إعدام رجل ورأى كيف تركت الرصاصات فجوة في جسده بحجم قبضة اليد، ثم يقول في مكان آخر من الرواية: «كأني مسؤول بصورة غير مباشرة عن موت آلاف الناس».

يمثل الطبيب برنار ريو في مواقفه وفلسفته في الحياة الأكثر تطابقًا ومقاربة للمؤلف كامو نفسه، فهو يؤمن بالاحتمالات اكثر من انشغاله بالقوى الغيبية فهو يقرّ بالنهاية بقوله: «إذا كان الناس لا يستطيعون أن يكونوا قديسين ويرفضون الاستسلام للأوبئة، فإنهم مضطرون لأن يكونوا أطباء»، وبمعنى آخر مضطرون للمواجهة العملية، بلا ضجر غير مجد. شخصية تارو (القاضي) هو من نظم عمليات الحجر الصحي والتدخل في نقل المرضى والجثث أيضًا، كما انه لم يؤمن يوما بالقضاء والقدر، ليس لأنه ينكره بل لأن المسألة كلها لا تعنيه. فيما شخصية قس الكنيسة بانلو (نموذج رجل الدين) موقفه من الطاعون والحياة لا يتجاوز فيما تفوه به قائلا: «الطاعون لا يعدو كونه إرادة إلهية موجهة لحكمة عظيمة»، وهي التكفير عن الذنوب، وهي أيضًا تميز بين الصالحين والأشرار. أما شخصية مندوب المبيعات كوتار، والذي في بداية الرواية كان ينوي الانتحار، كان الوحيد سعيدًا بالوباء لكونه كان ملاحقًا بسبب جريمة ما، والذين من حوله ظلوا يحررونه من هاجس الملاحقة بالتعاطف معه، مع فارق ان ملاحقيه بشر فيما الآخرين يلاحقهم الطاعون.

لم يكن الطاعون عند كامو واقعا حقيقيا، ولم تكن المعنية في السرد مدينة وهران الجزائرية، فمن كانت المعنية في صلب الرواية هي فرنسا، التي اجتاحتها القوات النازية دون مقاومة تذكر. الأمة الفرنسية المعتدة بنفسها انهارت أمام الغازي الألماني، فغمرها شعور عميق بالخزي رغم حدوث مقاومة فرنسية محدودة. طاعون رواية كامو في وهران تعرض لحالة الموقف الإيجابي لكيفية مواجهة الكارثة، فالجثث الملقاة في الشوارع والجرذان التي احتلت المدينة (الجرذان رمزية للغزاة) خلقت آلية للمقاومة للتضامن والعمل الجماعي، فكان على وهران المحاصرة خلف أسوار الطاعون ألا تنتظر العون الخارجي. كان عليها أن تبتكر الحلول من الداخل كالمواجهة الجماعية، فالطاعون ليس مرضا بقدر ما هو وباء يصيب البشر.

لقد ارتبط الطاعون كوباء بالغضب الإلهي كما هو سائد في ثقافة الشعوب القديمة وكما ترد في ملحمة اتراحسيس البابلية، حيث تعكر صفو الآلهة من ضجيج البشر المتكاثرين، فقد سمع الإله إنليل ضجيجهم فقال للآلهة الكبار: «إنه يثقل عليّ جدا ضجيج البشرية /‏ وهذا الصخب الذي يحدثونه يمنع عيني من الرقاد /‏ فليكن ثمة طاعون يسكتهم»، كما طلب الآله من الآلهة «ننكار» أن ترفع يدها عن الأمراض لتفتك بالبشر، فأوصت ننكار الآله «نمتار» وهو احد آلهة العالم السفلي ويوصف بأنه إله الطاعون، بضرب البشر فانتشرت الأمراض كما انتشرت رائحة الموت في المدينة وطارت الشياطين فوق البيوت، وأخذ البشر يتساقطون كأوراق يابسة». لذا الآلهة المعاصرة كورونا تستكمل قسوتها وتحوم من حولنا، «فخليك في البيت» فهي تتطاير فوق اسقف المنازل بمخالب وأنياب دموية لا ترحم!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها