النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12226 الأربعاء 28 سبتمبر 2022 الموافق 2 ربيع الأول 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:28PM
  • العشاء
    6:58PM

كتاب الايام

فيروس كورونا يوعينا بفيروس الإنسان

رابط مختصر
العدد 11344 الأربعاء 29 ابريل 2020 الموافق 6 رمضان 1441

الغزو الفيروسي من فصيل كورونا الذي يغطي كامل سطح الكرة الأرضية ويرعب كل سكانها من البشر دون بقية الأحياء، استحوذ على كامل النفس والذهن، فليس بإمكان أحد أن يحس أو يفكر خارج دائرة تأثير هذا الغزو الذي انطلق وساد بقرار من الطبيعة ولغرض في نفس الطبيعة، هذه النفس العصية على ذكاء البشر سبر غورها. العامة والخاصة كلهم دون استثناء مسكونون بالعدو الخفي الذي سلاحه البتار نفسه دون أدوات خارج كيانه، مشاعر الناس وفكرهم وحديثهم، كلها تدور في حلقة مغلقة لا تخرج عن دائرة رسمها لنا هذا الفيروس الغازي. في أجواء طغى فيه الغزو على كل جوانب الحياة، فإن التعبير عن آثاره وتبعاته والدروس المستخلصة منه له الأولوية القصوى، وخاصة الدروس التي قد تعيد الوعي فينا، وتُقَوِّمُ نفوسنا وفكرنا وسلوكنا، أمام أخطاء نقترفها، وكأنها من بديهيات الحياة، وهي أقرب إلى الجرم من الخطأ... هذا الجرم الذي نقترفه، دون مبالاة وليس دون وعي منا، هو تجويع أولئك الذين نفيناهم خارج مملكة الغذاء وأدخلناهم قسرًا في مملكة (مقبرة) الجوع. إن المنفيين خارج مملكة الغذاء هم جياع العالم الذين بلغ بهم اليأس من رحمة الإنسان، أن تغير سعيهم من البحث أو استجداء كسرة خبز إلى تمني الموت، والموت يؤخر موعده مع أكثرهم، وكأن الموت شريك في الجرم، إخوتهم من البشر يعذبونهم بالتجويع والموت يزيد عذابهم بالتباطؤ في تفعيل الأجل، والعذاب يجرهم على مهل من مقبرة الجوع إلى مقبرة الموت، فيريح سنويًا عْشْرَهُم، وأكثر هذا العشر من الأطفال، فالجوع يودي بحياة أكثر من نصف مليون طفل سنويًا، سكان مملكة الجوع يقارب المليار شبه إنسان ! أي جائع واحد بين كل سبعة، فسبع البشرية تصطف زحفًا في طابور الموت. ومن المفارقات المضحكة المبكية أن سُبْعًا آخر منه يعانون من السمنة بالإفراط في الأكل، وهم ممددون على أسرة المستشفيات، والموت متربص لهم، والصبر بين الشفاء والموت يعذبهم. النقيضان يلتقيان في مملكة الموت، هذا من الجوع و ذاك من الإفراط في الأكل، ومما يزيد على كوميديا الإنسان تراجيديا أكبر هو أن أحد عشر مليون إنسان يموتون سنويًا، لا بسبب الجوع ولا بسبب السمنة، ولكن بسبب التغذية الخاطئة.

المعلومات والدراسات تفيد أن المنتوج الغذائي في العالم يكفي البشرية كلها بضعف عددها، والمجتمع البشري لا يعاني من مشكلة مع الإنتاج الغذائي، فكمية الغذاء المنتج كافٍ لإطعام البشرية كلها. العلة هي خلل في المعادلة التي ينتهجها الإنسان، ومحصلة هذه المعادلة هي السمنة والتخمة في الكف الأيمن والهزال والجوع في الكف الأيسر، وللمعادلة، غير المتوازنة، أسبابها الاقتصادية والسياسية.

الجياع في العالم لا يعلمون شيئًا عن كورونا، والطبيعة تتنفس الصعداء مع فعل كورونا، بينما المحظوظون من الذين يجلسون كل يوم ثلاث مرات حول مائدة الطعام يعيشون في هلع وخوف... الجياع يبحثون عن كسرة خبز وقطرة ماء، والطبيعة تتمنى أن يواصل كورونا مهمته حتى تتطهر الطبيعة من أنجاس الإنسان وتشفي من الجروح والأمراض التي تسبب بها الإنسان، المحظوظون من الناس يواصلون حياتهم على صفيح ساخن، والصفيح يزداد سخونة كل يوم، وهم في شلل اقتصادي وفوضى اجتماعية وارتباك سياسي وعيون آمالهم شاخصة إلى مختبرات الأدوية في العالم عللهم ينتجوا بلسمًا يشفي مرضاهم وسمًا يقضي علي الفيروس كورونا، وتعود الحياة بعدها إلى طبيعتها السابقة ليواصل الإنسان الأكثر حظًا صراعه العبثي مع نفسه، ويتابع عملية خلق أوبئته الخاصة، وهي مآسي الحروب وذل الفقر وعذاب الجوع وقهر التشريد، وهي كلها أمراض تنخر في كيان الإنسان وتعري حضارته الملوثة. هذه الأمراض كلها من نبع واحد وهو الجشع والأنانية، وكلاهما يتغذى على الآخر، و يستندان على دعم ممنهج (غير أخلاقي) من طبيعة النظام الاقتصادي المفروض على الإنسان ومن تشكيلة الأنظمة السياسية السائدة المدعومة بأيديولوجيات تخدم مصالحها.

الضعفاء، من الطبقات الأدنى والمرفوضون عرقيًا واجتماعيًا، معرضون للتهميش والإقصاء وعدم الاهتمام حتى في أغنى دولة في العالم وهي تواجه الوباء، فيليب ألستون، المقرر الأممي الخاص المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان، يصرخ بأعلى صوته، وهو يتألم ألم العاجز، «أن ذوي الدخل المنخفض والفقراء يواجهون مخاطر أعلى من غيرهم خلال جانحة فيروس كورونا (كوفيد-19) بسبب الإهمال والتمييز. هؤلاء خذلتهم استجابة الحكومة الفيدرالية (الأمريكية) المتخبطة والمدفوعة بالشركات. إن مجتمعات الملونين التي تواجه فجوة مستمرة بسبب الفروق العرقية والمادية، معرضة بشكل خاص أكثر من غيرها للخطر و تموت بمعدلات أعلى». إن الذي يصرخ به السيد فيليب ألستون هو بصريح العبارة: “إن مرضهم وجوعهم وموتهم بالنسبة لنا، نحن الشركات العريقة، لا يعني شيئًا، فدعهم يموتون، ولا عزاء لأحد بعد موتهم... هذا هو لسان حال الإنسان المتنفذ في خطابه إلى من لا حول له ولا قوة.

الإنسان، الذي يتميز عن بقية الكائنات كلها بالقدرة علي العمل المنتج والمبدع، يتسبب بهذه القدرة على الإبداع في خلق المآسي لنفسه وعلى نفسه إضافة إلى إصابة الطبيعة بالأمراض. فيروس الجوع الذي أنتجته عبقرية الإنسان الأناني الجشع، والذي يودي بحياة الملايين من الناس سنويًا، بمن فيهم الأطفال، له وقع مأساوي بالمعيار الأخلاقي الذي لا ينطبق على كل أشكال الأوبئة التي تصيب الإنسان، و ماساة الإنسان أن مصل العلاج موجود بوفرة، وهو الغذاء، ولكن هذا المصل عصي وبعيد المنال عن مليار إنسان في العالم.

لو افترضنا أن جنسًا شبيهًا بالإنسان، في وعيه وذكائه، يعيش على كوكــب آخر ويشــاهد المأساة التي يعيشها الإنسان اليوم، ماذا نتوقــع أن يكــون شعوره، هل يرثي لحال الإنسان أم يرتاح لحال الطبيعة؟...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها