النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11450 الخميس 13 أغسطس 2020 الموافق 23 ذي الحجة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

طاعون كامو المتخيل 2/‏3

رابط مختصر
العدد 11342 الإثنين 27 ابريل 2020 الموافق 4 رمضان 1441

تتمحور رواية الطاعون على موضوع مركزي واحد خيطه السردي من البداية حتى النهاية هو الطاعون، فبداية الرواية هي بداية المدينة مع الطاعون، ونهاية السرد في خاتمة الرواية أيضًا هو نهاية الطاعون، غير أن الكرنولوجي السردي لكاتب وجودي مثل كامو لابد وأن يضعك من خلال المشاهد والحوارات في مسيرة فلسفية وفكرية ونفسية واجتماعية ودينية، وأخيرًا يشدك نحو مواجع وقلق إنساني وفزع وجودي في لحظة من لحظات الكارثة في زمن الحرب ـ الوجه الآخر للطاعون ورمزيته أو العكس زمن الطاعون ـ الوجه الأخر للحرب، سيان بين طبائع الأشياء واختلافها، فالنتائج بخلاف الأسباب تكون وحدها كارثية للإنسان والمجتمع. النزعة الوجودية في الرواية تسحبك نحو ضرورة العودة لفلسفة جذبت في القرن العشرين الكثير من مثقفي تلك المرحلة، فقد كانت تستجيب الوجودية لقلقهم الفكري والثقافي لتعطشهم للحرية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وإلى أين تتجه الإنسانية في صراعها بين الإيديولوجيات والأنظمة المتطاحنة. لم يكن إحساس المثقف في الدول النامية مشوبًا بنفس الروح والقلق كما هو عند مثقفي الدول الأوروبية، الذين كانت مدافع الحرب وقنابلها تسقط على رؤوسهم كل يوم وتسد الآفاق المعتمة أبوابهم فيرتعشون بخوف الموت والانتظار.

لن نتوقف طويلاً عن مدى انعكاس الوجودية وأدبها في تلك الفترة على اغتراب الساحات الثقافية في شتى القارات ومدى اتساع هذا التيار الفكري المضطرب بالغموض والتساؤل نحو المجهول مما كان يواجه الإنسانية في تلك الحقبة.

سنتوقف عند أهم الشخصيات المحورية في الرواية لأهميتها كما هو شخصية الدكتور «برنار ريو» حيث اصطدمت قدماه على عتبة السلم بفأر ميت. بذلك المدخل الكارثي يبدأ كامو روايته عالم المخيلة المرعب، خروج الفئران من جحورها إلى الشارع لتموت، فيما وقف الإنسان مندهشًا عاجزًا أمام هذا المشهد الغريب.

كان هناك معنى لغزو الفئران الشوارع والمنازل وإطلاق صرختها قبل الموت. شكّل ذلك مفتاحًا حقيقيًا لانتزاع هذا النمط من السكان من حالة اللامبالاة والأنانية والعزلة الفردية للمجتمع. استقبل السكان الحالة في البداية بالتعجب الممزوج بالتقزز من تلك الظاهرة، ولكنهم سرعان ما تحولت نفوسهم الهادئة نحو الشك، فقد كانت تحمل تلك الظاهرة في طياتها نذيرًا للشؤم والخطر.

أدّى خروج الفئران إلى انتشار حمى غريبة أصابت بعض السكان ثم تطورت الحمى إلى أعراض أدت إلى حدوث وفيات سريعة وصاعقة فتحولت حالة الناس من التعجب والدهشة ـ تلك كانت البداية ـ إلى الدخول لمرحلة جديدة، هي حالة الذعر والذي تحول في المدينة إلى اضطراب. بات هناك وضوح بعد الاضطراب والذعر حول العلاقة ما بين الموت والفئران وانتشار الوباء وإغلاق المدينة. في الرواية هناك إشارة مهمة يتعرض لها كامو: «لم يكن أحد يجرؤ على أن يطلق اسمًا على هذه الحالات، فالرأي العام شيء مقدس، ويجب أن يتجنب حدوث أي ذعر بشكل خاص». والغريب أن بعد انتهاء تسعة أشهر وإعادة فتح أبواب المدينة وزوال الوباء الذي خيّم طويلاً على أجوائها حتى نسى بعضهم كيفية العيش بدون الطاعون!!. أضفت الرواية بغرابة موضوعها التفاؤلي متعة خاصة، نتيجة لمتعة الأحداث الساخنة المتوترة وقدرة الكاتب على نقل تلك الأجواء المتخيلة والمحسوسة داخل النص والقارئ، رغم أن الرواية من حيث مضمونها ذات حدث بسيط ووحيد وهو موضوع الطاعون. يهتم كامو بمسألة التطور الشعوري والنفسي والاجتماعي عند السكان والتباين بينهم. تبدأ بلحظة وصف الإعلان عن الوباء ثم مرحلة أخرى بعد الإعلان عن الوباء ومرور فترة على الطاعون. تبدأ عملية تطور الأحداث حينما يعيشون الناس/‏سكان المدينة خلف أبواب مغلقة.

انتشرت الوفيات والإصابات فأصبحت الصدمة هي التي تحرك ناس المدينة فوجدوا أنفسهم أمام شعور جديد ونفسيات بأمزجة مختلفة أشبه بحالة النفي أو المنفى (الاغترابي) والشعور بالفراغ والرغبة الجامحة في العودة للوراء. وعزز هذا الشعور تعرف السكان على نوع جديد من المشاعر وهو الشوق، فالغالبية العظمى حرموا من أشخاص كانوا خارج المدينة لحظة غلق الأبواب، فامتزج النفي بالشوق والصدمة والخوف بالموت والفئران، فبدا مناخ الرواية لنا جوًا عفنًا مرهقًا تحت شمس الصيف الحارق للغاية.

يكثّف كاموا الحالة الشعورية ومتغيرات المزاج الإنساني وقلقه بعد أسابيع من استمرار الطاعون فبات شعورهم بالوحدة أقصى حدوده، وعاش كل واحد منهم وحيدًا متخبطًا في مشاغله وهمومه، بل بعد مدة أطول من الوباء حدث هناك نوع من التقبل الطفيف يبرز على السكان، فقد غير الحدث شيئًا داخلهم إلا أنه لم يلمسهم عميقًا ولكن سرعان ما خلق هذا القبول الطفيف شعورًا خطيرًا جدًا بأن حياتهم أصبحت في خطر، وبأنهم يعيشون الآن في سجن كبير وينتظرون مصيرهم برتابة وضيق كبيرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها