النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

عرافة «كورونا» المقدّسة

رابط مختصر
العدد 11342 الإثنين 27 ابريل 2020 الموافق 4 رمضان 1441

لم تكن عرافة على طريقة قارئة الفنجان، تلك التي التهمت مشهد النبوءات في ليلة رأس السنة، لم تتشح بالسواد، ولم يقف الخوف العظيم في عينيها حدادًا على أمة بني البشر، لكنها القراءة العابرة للغيب، التدقيق المحسوب على ظهر كتاب، والجملة الفلكية المفهومة عند الأجرام والكواكب والنجوم.

2020 مظلم يا ولدي، ساحق ماحق يا ابن آدم، 2020 ليس مثلما يسبقه من أعوام، مصير منسوخ في لوحٍ محفوظ منذ 700 عام، ومحفور على صخرة تائهة وسط حفريات العتمة، وديناصورات الزمن البوهيمي السحيق.

تنبأت «بسنت يوسف» أمام السادة المشاهدين، لم تخشَ على نفسها من هتك بكارة الغيب، ولم تتحفظ كثيرًا على مشاهد لـ«المؤمنين فقط»، لكنها انطلقت كالصاروخ المدوي، كالفاجعة المطمئنة لعزة مقصدها، وحسن اختياراتها، قالتها بالفم الملآن: ليس كفًا أفهم في خطوطه الحمراء، ولا فنجانًا أستقي منه أخبار العاشقين، لكنها الحقيقة عندما تتجلى، والمجهول عندما يصبح معلومًا، والمعقول حين يتحول بفعل فاعل إلى لا معقول.

كورونا أو ما بعدها، جائحة أو ما جاءت به من فضائل أو رسائل أو إملاق نخشاه، أمة محمد المطمئنة مازالت مطمئنة، رغم أن الجوائح تحاصرها، كورونا، النفط، المعادلة الصعبة، العقود الآجلة، الأسعار الفورية، ضحايا الفيروس، المعركة الضروس، كارثة الطاقة العفوية، والمصائب المحسوبة على فاعل مجهول، وتلك التي تغير الأنظمة والحواسيب والتروس، إنها الحرب المستعرة بين كبار مستصغرين في الأرض، وصغار مستكبرين على «بلاد الله خلق الله»، ومخلوقات تناطح السحب المتطايرة في الهواء، علاج للجائحة، أو لقاح لتهدئة النفوس، وقاية من وباء، أو احترازًا من داء، أو اكتفاءً ذاتيًا من كمامات، جميعها، جميعها، قشة قصمت ظهر البعير، ونفط يتداعى إلى سعر أقل من كرتونة بيض، ولحد مذل بفعل وسيط شرير.

الأكبر في دنيا الطاقة، الأكثر اعتذارًا لأمة إنسانية تعاني، والأقل انتشارًا بين مراكز البحوث، ومعامل التجارب، وعقارب الساعة حين ترفض الدوران والمكوث، حين تقبل الرضوخ لأمر واقع تعاني شعوبه البهتان، بأقوال لا تقترب ولو من بعيد بأسوة حسنة بين ما كنا وما كان، بالنبوءة التي أطلقتها عرافة خمس نجوم، والحقيقة التي فجرتها الخطايا في أوجه أناس لا يؤمنون، وعلماء لا يعترفون، وعظماء لا يتعظون.

الفشل يحلق بين ذقون من تربوا على السليقة، وتوسموا في الآثار خيرًا، لم يتصور أكثر المتشائمين تبسمًا، أن النفط قد تهوي أسعاره إلى أقل من لا شيء، والأقل من لا شيء لم يتحرك له ساكنًا عندما اكتشف المنتجون أنهم قد يبيعون نفطًا آجلاً ويدفعون عليه رسومًا ولا يحصلون أي شيء.. أي شيء.

كارثة أم أعجوبة أم أكذوبة أم كابوس، هي جميع الأحوال، في جميع الأحوال، صفعة على الرأس، جرعة شديدة المرارة من رشفة كأس، رتقة في ثوب مرتوق أصلًا، التخمة تتحرك في أسواق النفط العالمية، تبلغ 30 مليون برميل يوميًا والمنتجين لا يعترفون، يتفقون على تخفيض المعروض بمقدار 9,7 مليون برميل يوميًا فقط، ولا يتفقون.

الأمل كان في حسن نوايا من خارج «أوبك بلاس»، وتوسلاً في طيب خاطر يقدمه منتجون، أو يتبرع به مستهلكون، أو أضعف إيمان يطل على المأساة بخشوع وهو خارج العزل القصري لـ«كورونا»، لكن لا المنتجين التقليديين حققوا ما يريدون، ولا زملاءهم «غير المنضوين» حققوا أحلام ذويهم المنتجين، فانهارت العقود الآجلة قبل 48 ساعة فقط من لحظة الحسم، أو من توقيت فتح باب المزاد العلني للتخلص من اتفاقيات تم إبرامها و«الجائحة» تحت السيطرة، فامتلأت خزانات أمريكا وحدها بنحو 75 مليون برميل نفط مجاني، وتنافست معها دولاً أخرى على التخزين الرخيص لكنها لم تُعلن، ثم تم التوقيع على مليوني عقد آجل لشهر يونيو القادم لعل وعسى، لكن الأسعار الفورية تهاوت وجرت خلفها الأسعار المؤجلة إلى أقل من 50% لنفط «نايمكس» الأمريكي، وإلى نحو 30% لنفط «برنت» الذي يتم تقويم أسعار نفوط الخليج به.

وبين السقوط والإفاقة، الغيبوبة والوعي، الموت والحياة تتجول غرغرينة العرافة الأنيقة وسط الفضائيات بخفة الفراشة، وزعقة الخفاش، ونبرة تواريخ مرعبة أخرى، الجوائح الكارثية ما أنزل الله بها من سلطان، والمطامح الشخصية جاءت على طبق من ذهب لأصحاب النفوذ الخيالي، والغياب المتعالي، مواءمات وتباديل وتوافيق بين أنظمة سترحل وكيانات ستولد، قوانين تسود وأخرى تتنحى، وجوه تلمع وملامح تختفي. 

مناعة القطيع والموتى المؤجلين والعلماء المبجلين فشلوا في إيجاد علاج ناجع قاطع للفيروس اللعين، عودة «الخروج»، فك الحظر، واعترافات الخيبة لـ«الصحة العالمية» تضع الكون المريض في موقف لا يحسد عليه، فلا العرافة نجمت ونجحت، ولا المستسلمين لها آمنوا وانصرفوا، ولا المتشبثين «بالقشة» وصلوا أو ضلوا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها