النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11375 السبت 30 مايو 2020 الموافق 7 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:25AM
  • العشاء
    7:55PM

كتاب الايام

دروس كورونا للغرب

رابط مختصر
العدد 11340 السبت 25 ابريل 2020 الموافق 2 رمضان 1441

لم يكن انتصار الليبرالية وهيمنتها على المشهد الدولي في العقود الأخيرة، وانتشارها الواسع ورسوخها كأنسب نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي، يعني خلوها من العيوب والمثالب، فهي كانت في موضع انتقاد دائم عبر عقود. لقد تسيّدت الليبرالية لأنها النظام الأفضل بين أنظمة سيئة أرادت أن تحل محلها، كان أبرزها النظام الاشتراكي الذي أنتج دولة مستبدة، مع التذكير بأن الليبرالية والديمقراطية توأمان ووجهان لعملة واحدة، فقد ارتبطتا معًا، وتولّدتا في ظل النظام الرأسمالي. ورغم إيجابيات الليبرالية الكثيرة إلا أن عقدها الاجتماعي كان مشوبًا بنواقص متعددة. 

وعيوب الليبرالية تفاقمت في العقود الأخيرة مع المستجدات التي طرأت على المجتمعات الغربية السريعة النمو، ودخولها في عصر العولمة. وقد نبّه المفكرون الغربيون إلى هذه المستجدات التي طرأت مع تسارع وتيرة التغيير السريع وظهور الاقتصاد العابر للقارات، وتقهقر الطبقة الوسطى، فكان من الصعب على الليبرالية أن تستمر على نفس المنوال، وكان لا بد لها أن تلتفت إلى هذه المتغيرات بعد أن اتسعت الهوة بين الطبقات، ووصلت الرأسمالية في عدوانيتها الى ذرى جديدة. فالطبقات الوسطى هبطت إلى الحضيض، وضاقت الأرض على الطبقة الدنيا وتقطّعت بها السبل، ووجدت نفسها في وضع يجتماعي سيئ، ووضع اقتصادي أسوأ. ذلك كان يعني ضمنًا أن العقود اللاحقة لانهيار المنظومة الاشتراكية (1989) كانت نزهة مؤقته للرأسمالية بعد حرب طويلة مع المنظومة الاشتراكية كأيديولوجيا وكدول استمرت عقودًا. 

وبكل اطمئنان على وضعها وثباتها وهيمنتها راحت الليبرالية المنتصرة والمزدهرة في الغرب، تُسلم مجتمعاتها صاغرة للنخب المالية التي تمنهج الاقتصاد من أجل النمو والازدهار وزيادة الأرباح، وإثر ذلك تمت خصخصة الاقتصاد وتفكيك بنية القطاعات العامة الحكومية، التي كانت تؤدي خدمات كثيرة للمجتمع، وبشر بعضهم بضمور الدولة وبروز مجتمع المؤسسات. ومع اتساع القطاع الخاص وهيمنته وتراجع وانكماش القطاع العام نشأت ظروفٌ جديدة كان لها أثرًا سلبيًا على الخدمات العامة وعلى رأسها قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة والبنيات التحتية، وكان ذلك نتيجة لتقليص ميزانيات القطاع العام الخدماتي لتصل في بعض الدول إلى النصف. 

كانت هذه الميزانيات (حسب مصادر غربية) في الثمانينات من القرن الماضي تصل إلى سبعين في المائة أو ما يقارب هذا الرقم، فهبطت الى سبعة وثلاثين في المائة فقط في العقود الأخيرة، وكان هذا التغيير كبيرًا نسبيًا فهو يقارب النصف. حدث ذلك في الغرب وأمريكا، فالنخب الاقتصادية والسياسية في هذه الدول كانت ترى أن الخصخصة وتقليص دور الدولة والقطاع العام الحكومي هو الخيارالأفضل، لكن فيروس الكورونا، خالف هذا الرأي وكشف حقائق جديدة أثبت أن هذا التوجه له عيوب لم تكن واضحة لأصحاب القرار. فمع اضعاف القطاع العام بشكل مبالغٍ فيه ساءت أمور خدماتية كثيرة، وطرأت متغيرات وتهلهل القطاع العام، وتخلخلت وشحبت المنظومة الصحية والتعليمية وغيرهما من قطاع الخدمات وشحّت المساندات الاجتماعية، وظهرت تصدّعات جديدة. 

تلك هي أسباب عجز الدول الغربية وانهيارها أمام وباء الكورونا، حسب بعض المصادر الغربية. ولم يكن أمرُ الكورونا سيصبح سهلاً وبالإمكان احتوائه لو أن القطاع العام ظل على حاله ولم تهبط موازنته إلى النصف، فالإصابات الهائلة ستربك أي محاولة لاحتوائه، لكن الوباء سيكون أقل ضررًا. 

ما كشفته الكورونا كما أتصور يتلخص في مسألتين: الأولى تتعلق بمنهج التفكير في الغرب الذي سماه يورغن هابر ماس، بالعقل الأداتي السائد عند النخب التي تقود هذه المجتمعات، وهو عقل لا يأخذ الجزء مرتبطًا بالكل، فالقرارات الاقتصادية لم تدرس بدقة إلى المردود الاجتماعي لقراراتها. المسألة الثانية والدرس الثاني يشير إلى أن إهمال القطاع العام وتقليص ميزانياته له نتائج سلبية يجب احتسابها، وأن المطلوب في هذه الحالة هو نمو وازدهار القطاعين، خصوصًا وأن القطاع العام يؤدي خدمات جليلة وواسعة للطبقات الأضعف والأوسع في المجتمع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها