النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11694 الأربعاء 14 ابريل 2021 الموافق 2 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

ما بعد كورونا

رابط مختصر
العدد 11337 الأربعاء 22 ابريل 2020 الموافق 28 شعبان 1441

في غفلة الحكومات وَجَدَ فيروس كورونا المستجد لنفسه أرضية ملائمة تمهد له الانتشار عرضا وطولا، فجاء داهمًا عاصفًا متوحشًا لم يوفر مجتمعًا واحدًا من المجتمعات الإنسانية إلا وأدركه غارسًا فيه أنيابه مخلفًا قتلى بالآلاف حتى الآن وإصابات لن تقف يقينا عند العدد المسجل حتى يوم أمس برغم ضخامته. وقد كانت مجتمعات الدول المتقدمة، وخصوصا الأوروبية، وهي الرائدة في التقدم العلمي والتكنولوجي مسرحًا مروعًا لها بعد أن عبر إليها الفيروس من الأراضي الصينية، وقد مثل انتقال الجائحة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية - فضلاً عن تداعياته الصحية المروعة - مناسبة لإثارة جدل عاصف بين الحكومة الصينية وحكومات بقية دول العالم؛ إذ وجهت الكثير من الدول المتضررة أصابع الاتهام إلى الصين مثيرة جدلاً حول شفافية السلطات الصينية في التعامل مع دول العالم بخصوص الوباء وحجمه ونتائجه ووقت ظهوره. ولئن كانت هذه الاتهامات ناجمة عما خلفته الجائحة من آثار صحية واقتصادية واجتماعية كارثية قد تكون لها انعكاسات خطيرة ونتائج وخيمة في كل المستويات، فإن اللغط المثار يرى فيه بعضهم امتدادًا للحرب التجارية التي دارت وتدور بين الصين والعم سام وبينها وبين الدول الأوروبية، ويراه بعض آخر مجرد مناورات سياسية يدفع بها قادة أوروبا وأمريكا تهمة التهاون في التعامل مع الفيروس الذي لم يدركوا حقيقة خطورته إلا حين غصت المستشفيات بالمرضى وعجزت عن استيعاب الكم الهائل من المصابين المحتاجين إلى غرف العناية المركزة. 

 غفلة الحكومات الأوروبية هذه يترجمها، ويا للعجب، ما ظهر من هشاشة في البنى الصحية غير متوقعة في كل دول العالم بما فيها الدول المتقدمة، التي كان واضحًا وقوفها عاجزة عن الحد من انتشار الفيروس نتيجة قصور في وسائل العلاج وأدواته التي تنقذ حياة البشر، ما دعا بعض قيادات هذه الدول السياسية إلى أن تتجرد من حسها الإنساني لتخبر شعوبها بفداحة الأزمة الصحية وقسوة الفقد المتوقع، كما جاء على لسان رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون، عندما وجه كلمته للبريطانيين قائلاً: «الكثير من العائلات سيفقدون أحباءهم مبكرًا.» وتبعه رئيس أكبر الدول وأكثرها تقدمًا، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين قال في إحدى تصريحاته: «سنمر بأسبوعين شاقين للغاية، سيكونان أسبوعين مؤلمين للغاية». في هذا الوقت الذي سلم فيه قادة أوروبا بهول المصاب، كانت دول مجلس التعاون تبحث وتتقصى عن مواطنيها في مغارب الأرض ومشارقها لتأتي بهم وتضمهم بين حنايا مواطنهم، مؤكدة بذلك حقيقة دولة المواطنة وحقوق الإنسان التي تبنى في دول مجلس التعاون بناءً سليمًا يسترفد دعائمه من أصالة قيمية عربية تربت على قيم الشهامة والتضامن والتكافل والتعامل الرصين الواقعي مع مختلف الطوارئ والظروف. 

 حرب الدول ضد كورونا المستجد، والخسائر التي تكبدتها هذه الدول فسح في المجال للحديث عن تغيرات ضخمة على مستوى البلدان وعلى مستوى بنية النظام الدولي، بسبب احتمالات الانعكاسات الخطيرة للأزمة الاقتصادية الحادة على الحياة الاجتماعية للشعوب بعد أن ترفع غمة فيروس كورونا عنهم ويعود بعض الناس إلى ممارسة أنشطتهم المعتادة والبعض الآخر حتما سيرى نفسه على أرصفة البحث عن أعمال ضربها الفيروس ولم يعد لها وجود، هذه حقيقة يستشرفها عدد من الخبراء رغم وعي آخرين بأن آلة إنتاج الثروة ستعود إلى العمل بأقصى طاقة ممكنة بعد انزياح كابوس الكوفيد؛ لأن منطق التاريخ يشهد بأن كل ركود اقتصادي حاد لسبب قاهر عادة ما تعقبه انتعاشة اقتصادية نرجو ألا تتأخر كثيرًا.

 التغيرات ستكون ضخمة بلا شك في علاقة الشعوب بحكوماتها، وستبدو الصورة واضحة حول ما إذا كانت الحكومات فعلاً على قدر المسؤولية تجاه شعوبها، ستكون هناك محاسبات قد تغير المشهد السياسي في دول عديدة، وستكون هناك حملات تعبير عن الامتنان والرضا بأداء الحكام في مواجهة الجائحة وتداعياتها، وفي اعتقادي أن الحالة الثانية هي التي ستكون الأجلى والأظهر في مواقف المواطنين من النظام السياسي لدول مجلس التعاون - نستثني من هذا طبعا النظام القطري الذي شذّ عن كل ما يربطه بالنظام السياسي لدول المجلس حتى في سلوكه الإنساني في علاقته مع العمالة الوافدة التي تعاني الأمرين، المرض وسوء المعاملة الإنسانية - فشعوب دول مجلس التعاون ستظفر من أزمة كورونا بيقين مفاده أن حكوماتها قد بذلت كل ما تستطيع لدرء جائحة كوفيد 19 وتقليص مستوى الأضرار الصحية والاقتصادية إلى أقل مستوى، وأن كل ما كان يقال ضد دول المجلس حول انتهاكات حقوق الإنسان ما هو إلا ضروب من الأباطيل وتجليات لخيال مريض يتقصد الإساءة إلى الأنظمة الحاكمة لغايات انفضحت وفُضحت في أكثر من مناسبة. 

 ما بعد الكورونا فرصة ستتاح للحكومات لمراجعة الكثير من السياسات، وتعديل الكثير من الخطط والتوجهات، فإلى جانب أن الحكومات ستقف على بعض أوجه القصور، إذا ما تأكد وجودها بعد انقضاء الأزمة، وخصوصًا على مستوى البنى التحتية الصحية، فإنها ستنتبه أكثر إلى مسألة العمالة الأجنبية حتى لا تتكرر معاناتها ومعاناتنا معها في أي أزمة قادمة بحجم أزمة كورونا المستجد، وخصوصًا في ما يتعلق بحاجة مجتمعاتنا من هذه العمالة، ومستويات عيشها، حتى لا تكون عبئًا على برامج التنمية الاجتماعية لحكومات دول المجلس، وعلى هوية المجتمع الخليجي.

 الثابت والأكيد أن عالم ما بعد كورونا سيكون مختلفًا عن عالم ما قبله، ولكن كيفما سيبدو عليه هذا النظام، فإن دول مجلس التعاون، وبسبب ديناميكيتها، ستكون جاهزة للاندماج فيه والتفاعل معه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها