النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11489 الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 4 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

عطاؤك باقٍ.. يا د. شملان

رابط مختصر
العدد 11337 الأربعاء 22 ابريل 2020 الموافق 28 شعبان 1441

رحل الصديق شملان العيسى بعد معاناة طويلة امتدت سنوات مع المرض العضال، رحل وحيدًا بلا مودعين ممن أحبوه وقدروا جهده الفكري وعطاءه التعليمي والإعلامي عبر هذه السنوات.

انتهت حياته بعد أن أطبق عليه الداء الوبيل، اختطفه في حصار الوباء وظلمة الكورونا الممتدة بلا نهاية او أفق، والذي قيد حركة الناس واجتماعهم، وأقفل حتى أبواب المقابر في وجه المشيعين والمودعين.

كان لحياة الصديق د. شملان أكثر من ميدان، وتحرك في العديد من المجالات والأزمنة، بدأ حياته الفكرية متحمسًا للأفكار القومية والمثاليات الوحدوية، ولكنه صدم كالكثيرين منا بلاشك بهزيمة 1967، ثم بكارثة غزو الكويت، وقد غاص د. شملان منذ تلك السنة في قضايا تحرير الكويت، والنهوض بمجتمع ما بعد التحرير، وبخاصة وإن الكثير من مظاهر فساد ما قبل العدوان وفوضى المرحلة التي ظننا أنها اختفت، عادت إلى البلاد بشكل أقوى وأوسع، بعد أن راحت مطالب الإصلاحيين أدراج الرياح، وها نحن في ظل الوباء الخانق الذي يعصف بنا، نكتشف أهميتها.

من الأمور التي لا يعرفها الكثيرون عن د. شملان العيسى، رغم أنه صرح به بين أصدقائه أن بعض أكبر القيادات الإسلامية مثلاً عرضت عليه أرفع المناصب الإدارية والسياحية في البلاد، إن ابتعد عن تياره السياسي وعن الأفكار التحررية والليبرالية التي يدافع عنها، وانضم إلى «تيار الإسلاميين» الذي يقطر مالاً ومناصب، ولكن د. شملان لم يستجب لذلك الإغراء، وكان بيده أن يستجيب بصفته أحد أبناء شخصية دينية بارزة في تاريخ الكويت، المرحوم الشيخ يوسف القناعي، وأحد المنتمين إلى مجموعة عائلية كريمة قامت بدور بارز في كافة التيارات الوطنية، وقامت بخاصة بدور معروف في تأسيس الحركة الإسلامية الكويتية والخليجية والعربية والفلسطينية والدولية! بل وكذلك في بناء وترسيخ «المصرفية الإسلامية وما تحت ظلها من شركات ومؤسسات. وكان باستطاعة د. شملان لو كان راغبًا في التسلق والارتقاء السريع أن يكون من نجوم المال والمناصب.. ولكنه لم يستدر لأفكاره وأهدافه، ولا ساير تيارًا من أجل استفادة شخصية.

كانت شخصيته الصريحة وعقليته المنفتحة وتسامحه الفكري وثقافته السياسية الواسعة تعمل كلها في الاتجاه المعاكس لهذا التيار الذي جرف الكثير من الخريجين والأساتذة، ومن المهندسين والأطباء، والماليين والإداريين ومن الذكور والإناث، ومن لم يصبه وابلٌ.. فطلّ!. 

ولا عجب، فنحن منذ عقود في زمن المتمسك فيه بالعقل والعلم والتسامح ورفض خلط الدين والمذهب بالسياسة.. كالقابض على جمرة!

وجد د. شملان نفسه في العقدين الأخيرين من حياته يتحرك ضمن أربعة مجالات: التدريب الجامعي، والإعلام، والكتابة، والندوات المحلية والخارجية. ولا أعرف كم ترك له هذا كله من وقت للتركيز على المساهمة في بحوث العلوم السياسية أو متابعة أوراق الترقية في السلم الأكاديمي، بل وحتى إن كانت من الأولوياته.

ولا شك إن قدرًا كبيرًا من جهده قد تشتت تحت تأثير المشاغل والمرض المتفاقم، ولاشك إن ما كتب د. شملان وما نشرته له الصحافة من مقالات في الكويت وخارجها، وما أعد من أوراق وشارك بها في الندوات، بحاجة اليوم إلى التصنيف والتجميع من قسم العلوم السياسية في الجامعة وإدارة الكلية، وذلك للاستفادة منها، وبخاصة وإن المتابعة الإلكترونية باتت من أسهل الأمور.

كتب د. شملان في عدة صحف محلية وخليجية وعربية، وكانت بعض مقالاته تتوقف او تمر وقد حذفت منها فقرات او كلمات! فيعبر لمن حوله عن الاستياء البالغ.. ويواصل المسيرة!.

وكان دومًا مؤيدًا لحرية الفكر والديمقراطية ومبادرًا بالتصدي للتعصب الديني والطائفي وتسييس الدين، كما كان مؤيدًا للعولمة والحداثة ومن مناصري النهضة والتقدم الاجتماعي والفكري، وكانت له مقابلات صحافية شيقة تحظى بقراءة واسعة يركز فيها نقده مدافعًا عن هذه القضايا، وكانت له كذلك مقابلات تلفزيونية يتابعها جمهور عريض، لما تميزت بها من صراحة وابتعاد عن المجاملة.

وقد تولى د. شملان العيسى لبعض الوقت إدارة مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت، وبذل جهدًا واسعًا للنهوض بالمركز رغم الصعوبات الإدارية المالية التي كان د. شملان يرى إن المركز يعاني منها، وشارك في بعض الندوات خارج الكويت ومنها ندوة»دور البرلمانات العربية في الإصلاح السياسي«17-18 سبتمبر 2005، في مدينة»عمّان«بالمملكة الأردنية الهاشمية، وساهم في تلك الندوة بورقة عنوانها»الأحزاب والحركات السياسية في الكويت ودورها في الحياة البرلمانية«. وقد نشرت أوراق الندوة لاحقًا في كتاب طبع في عمان بالأردن.

انتقد د. شملان في تلك الورقة بشدة سلبيات الممارسة الديمقراطية في التجربة الكويتية، وما أفرزته من خيبة أمل، وقال»إن الحكومة الكويتية أثبتت بأنها أكثر تقدمية وانفتاحًا من المجلس المنتخب». ولم تكن صدمته النفسية والفكرية التي عجز عن التكتم عليها، بأقل من ذلك بخصوص الأشياء من تراجع القيم السياسية والتنويرية في المجتمع الكويتي ومجمل العالم العربي، وقد رحل عنا د. شملان كما نشعر جميعًا، في زمن ثقيل ووقت عصيب، حاملًا معه قدرًا كبيرًا من الإحساس بخيبة الأمل بالكثير مما حوله، ولا نملك سوى أن نتمنى انفراجًا قادمًا وعالمًا جديدًا شجاعًا مشرقًا بعد انحسار كارثة الوباء.

للفقيد الكبير الرحمة، ولطلابه ومحبيه ومقدري ما بذل من جهد للارتقاء بمجتمعه، الصبر والسلوان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها