النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11525 الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 الموافق 10 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

الجشع في زمن «الكورونا»

رابط مختصر
العدد 11335 الإثنين 20 ابريل 2020 الموافق 26 شعبان 1441

في الجزء الخامس من الاعمال الشعرية الكاملة، يقدم لنا الشاعر ناظم حكمت في قصيدة «كيف فرطوا بهذا الوطن؟» تساؤلات مفتوحة للسادة الذين في لحظة ما من الممكن ان يبيعوا ضمائرهم بكل سهولة من اجل رنين الذهب والمال، ويقايضون الشر والشيطان دون تردد في سبيل اقتناص الفرص المتاحة في لحظة من لحظات الوقت القاتل. بهذا المدخل الاولي من المقالة نتوقف عند ظاهرة مثيرة للاستغراب والتساؤل وسط المجتمع البحريني في وقت ينخرط فيه غالبية الناس والشعب، المواطنون والمقيمون، في العمل التضامني والتعاون والتضحية بما يمكن فعله وبذله من وقت وجهد ومال. من سائر كل ذلك النسيج الاجتماعي المتنوع الواسع، تنفرد بشكل شاذ مجموعة صغيرة من التجار- وانا هنا اركز على البعض او الجزء الضئيل في مجتمعنا من شريحة التجار- الذين تمكن الجشع من نفوسهم الى حدٍّ اعمت حالة الانانية الكبيرة عيونهم عن رؤية ما يدور من طوفان وزوابع؛ فكانت فرصتهم للتلاعب بالاسعار بشكل يتجاوز القانون. مثل هذا السلوك المشين، نعم ننعته بـ«المشين»؛ لأن الجشع التجاري هنا لم يحدث في مناخ اعتيادي من قيم وعادات السوق واخلاقيته بتكريس حالة المضاربة والغش، فهذا نفهمه ونتجاوزه، ولكن ما لا نفهمه هو حماقة رجال الاعمال في سد منافذ الضوء ليجعلوا المواطنين كطابور العميان يقبلون كل ما يروج لهم من غش وضلال في وضح النهار. عشنا وقرأنا وسمعنا عن أمراء الحروب، وعن مثيلتهم من عصابات وشلل السوق ومافياته، لكننا ما لم نجده شائعا ومقبولا هو المتاجرة «بقوت الناس وبحياتهم !!» حين يهددها خاطر جاثم كجائحة الكورونا. نحن نفهم ان هناك نمطًا من الناس لا يمكن ان يتبرع لك حتى بدينار؛ لأن هناك خيطًا رفيعًا يتحكم في نفسيته كحالة البخل، والبخلاء لا يمكنهم في التاريخ التنازل عن سلوكهم لأنهم في نهاية المطاف اشخاص مرضى. هذا امر مفهوم ونستوعبه، اما ما لا يمكن قبوله وتجاوزه والصمت عنه هو بروز سلوكيات الغش التجاري في التلاعب بالاسعار، وفي ظروف استثنائية، ينبغي فيها الافراد خاصة شريحة التجار المساهمة في تنزيل هامش الربح ولن نقول البيع بخسارة، ولكن ان يكون حضورا وطنيا لموقفه وسلوكه. ما حدث من فعل معيب هو المرفوض من بعض التجار اولا باخفاء السلع من السوق لرفع سعرها، ثانيا تجاوز الاسعار التي حددتها الحكومة ونبهت المستهلكين والتجار بمراعاة تلك الاجراءات والتعليمات. ولكن للاسف تمكنت الروح الشريرة والجشع في نفوس بعضهم على أمل فرصة تكديس ارباح عاجلة خلال فترة قصيرة قد لا تتكرر. وبدلا من فتح صناديق للتبرع ودعوة الجميع بالمشاركة حتى ولو كانت تبرعات رمزية؛ فالجانب المناقبي والاخلاقي لمثل هذا السلوك تستهدف عملية تدريب للاجيال القادمة والاطفال على الانخراط والمساهمة في العمل الجماعي المسؤول، ودفع عجلة المجتمع نحو هدف ممركز، محدد وانساني؛ فالزمن المنساب امامنا تنبعث من جوانحه الروح الابداعية الخلاقة، التي تكرس لحظة تحول الشعارات الخطابية والعمل الانساني الى فعل محسوس مثمر، حيث تبدأ الاشياء العظمى من ثقل مثقال الاشياء الصغيرة لنراها كالسد الكبير، الذي تتجمع فيه بحيرة ضخمة تنتج طاقة جبارة يستفيد منها الناس. واذا ما كنا ندرك ان مسيرة الالف ميل تبدأ بخطوة؛ فإنه بالضرورة التبرع بدينار او اقل او اكثر، تعكس موقفا مهما من الناس عند لحظة الضيق والحرج والمؤازرة. تتعلم الشعوب والاوطان من دروسها الحياتية العصيبة، وتفرز وتغربل الجماعات الانسانية الغث من السمين في لحظاتها الحاسمة، كما تمتحن التجمعات البشرية الفرق الشاسع بين فقراء ومحتاجين يبيعون حاجتهم ومقتنياتهم من اجل الوطن في لحظات المحنة، وبين تاجر جشع باع ضميره بثمن بخس مثلما يبيع سلعته المغشوشة في وضح النهار، بعد أن فقد كل معاني الحس بهموم الوطن ومشاعر الناس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها