النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11563 الجمعة 4 ديسمبر 2020 الموافق 19 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

طاعون كامو المتخيل (3/‏‏1)

رابط مختصر
العدد 11331 الخميس 16 ابريل 2020 الموافق 22 شعبان 1441

اختار البير كامو ككاتب وجودي موضوع روايته وباء الطاعون، في مرحلة زمنية هي ما بين مرحلة انتهاء الحرب العالمية الثانية والغزو النازي وانتشار الفاشية، وما تسببته من ويلات وكوارث بشرية ومادية، فصدرت الرواية ما بين عامي 46 و47 بحيث تدور أحداثها السردية في فضاء مدينة شرق أوسطية، هي مدينة وهران الجزائرية التي لم تصب أساسًا بالوباء المذكور في موضوع الرواية، غير أن الكاتب الوجودي خلق مناخه التخيلي لعالم محتمل، قد يصبح أوسع من مساحة الواقع كونه عالمًا متخيلاً وقد يخون الكاتب التعبير بقدرة مخيلته على الاتساع الممكن ما يضيق عالمه السردي بأقل مما يمكن. من هنا يشكل الحلم والمخيلة عدسة أضيق مما يمكن توقعه أو أوسع مما يمكن معايشته، لكنها في النهاية لن ترسم الصورة الواقعية المجسمة في مجتمع إنساني حي له خصوصياته المحسوسة، بخلاف عالم روائي متخيل مفتوح لا نهائي يمتاز بالمتعة والصور المتوحشة المرعبة، طالما الكاتب يصنع عالمه بالشاكلة التي يتخيلها وتغوص فيها مخيلته. وبما أن الكاتب قريب للفلسفة والفكر خاصة الفلسفة الوجودية، فلابد من أنه سيتحدث من خلال لسان حال شخصياته عن الموت والعدم والعبث والوجود والحرية، ويمنح من خلال رموزه وإشاراته أسئلة وجودية فلسفية عن كل ما حدث من عبث خلال خمس سنوات من الحرب واحتلال فرنسا، كانوا الناس فيها سجناء الخوف والرتابة والانتظار الممل القاسي.

الدلالات كثيرة وغنية، وترجمة عبقري كاتب وجودي من حجم كامو ينتمي لجيل الكتاب الذين عاشوا بشاعة الحرب العالمية الأولى واستلهموا منها قسوة ما تخلفه الحروب من مآسٍ وكوارث لا تختلف عن تلك الأوبئة المحيطة بالإنسان. بهذا الانتماء الوجودي لمضمون الرواية الرمزي والكاتب نفسه وللعصر، نلتقي بحقيقة المرحلة العصيبة للحرب التي كان لابد وأن تفرز هذا الإرهاص التخيلي لمدينة وهران. «أ رأيت يا دكتور؟ إنها تخرج ويعثرون عليها في كل صندوق من صناديق القمامة المنزلية. إنها الجوع»، قال الدكتور «أمر غريب بالفعل!» صرخ العجوز «إنها الكارثة». بذلك المشهد اللامرئي! يرسم كامو من فرشاته الأولى صورة الطاعون كوباء معدٍ، بالموت الأسود، لمدى فداحته وبشاعته في زمن فضاءات الحروب الأوروبية، التي خلقت مجاعات مروعة كتداعيات من انعكاسات الحرب. دون شك رواية الطاعون لكامو تروي تاريخ الطاعون بكل تفصيلياته، كعدد الضحايا والأعراض في مدينة تجارية فتية صغيرة، يعيش سكانها حياة الرتابة والسأم بين البيت والعمل والنوم والاستيقاظ في حلقة دائرية يتحول فيها فضاء المقهى مكانًا للثرثرة في إجازة نهاية الأسبوع.

لا شيء يطل من روح تلك المدينة إلا تطلع الناس في جمع الثروة نتيجة سرعة تطور المدينة التجارية من حيث تحولاتها الاقتصادية السريعة. وهذا ما جعل كامو يختار وهران فضاء ونموذجًا لروايته في حقبة أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات، تلك السنوات اللاهثة ما بعد انتهاء الحرب منحت العالم صورة جديدة لما يمكن تخيله بعد الطاعون، طاعون الحرب الكونية. يسحبنا كامو إلى عالمه الروائي الفلسفي الوجودي لمدينة تجارية وصغيرة وفتية، تتطور بوتيرة سريعة اقتصاديًا حيث تتميز مثل تلك المدن التجارية بالرتابة والهدوء النابعة من عادات سكانها، فطبيعة الإنتاج والعمل يفرز روتينا محددًا كحلقات مترابطة خلال مسار اليوم بين واقع اليقظة والعمل والنوم، ومع الذهاب والإياب بين البيت والعمل هناك مساحة توقف في فضاء المقهى أو التجول في ساحات المدينة الضجرة لإنسان يبحث بعد العمل الطويل عن لحظة من الفرح والسعادة، ولكن السأم والرتابة كان أكبر قاتلا لطموح سكان يبحثون عن الثروة وآلتها المدمرة.

نجد عند بحثنا في مدينة صغيرة ما كيف يعمل الناس فيها وكيف يحبون وكيف يموتون. يحدث كل هذا بطريقة واحدة عصبية مذهلة، وبمعنى أن السأم يخيم على سكان المدينة، يعملون كثيرًا وهدفهم الدائم هو الثروة، والتجارة أكثر الأمور إثارة لاهتمامهم. في مدينة وهران يضطر الناس إلى أن «يحبوا دون أن يشعروا بسبب ضيق الوقت وقلة التفكير»، لهذا فإن سمة تلك المدينة الصغيرة، الرتابة والروتين والهدوء كمجموعة من عادات راسخة. وفجأة يهاجم المدينة أمر غير متوقع فيهز المدينة في مميزاتها قبل سكانها. حدث كارثي سيقلب المدينة رأسًا على عقب وسوف يصرخ الناس إنه الوباء، إنها الكارثة، إنه الطاعون!!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها