النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12180 السبت 13 أغسطس 2022 الموافق 15 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

هل حقًا دعا كيسنجر إلى تبني نهج فوق - عنصري؟

رابط مختصر
العدد 11330 الأربعاء 15 ابريل 2020 الموافق 21 شعبان 1441

في مقال سابق، عن مقابلة افتراضية غير حقيقية مع كيسنجر، تحت عنوان «هل حقًّا قال كيسنجر إن طبول الحرب تدق ومن لا يسمعها به صمم؟»، جريدة الأيام العدد 10349 الأربعاء 9 أغسطس 2017 الموافق 17 ذي القعدة 1438، تعرضت لأكذوبة إعلامية عن مقابلة صحفية مع كيسنجر. نص المقابلة انتشر مثل النار في الهشيم إلى جميع أصقاع العالم عبر الوسائط الإلكترونية المهيمنة علي عقول الناس ونفوسهم وأهوائهم، وكان النص كذبًا والذئب بريء من العواء المنذر بطبول الحرب.

واليوم نحن أمام نص يتضمن كلمات كارثية مرعبة مقتطعة من خطاب (مفترض) لكيسنجر ألقاه في 25 فبراير 2009 أمام منظمة الصحة العالمية، مجلس علم تحسين النسل !. وبين الحضور عدد من كبار رجال الأعمال (رأسماليون كبار يحتكرون سلعة الدواء بأنواعه ومختلف أدواته، من المختبرات إلى الصناعة والتوزيع والاتجار والتلاعب بالأسعار، ومن ثم تراكم الأرباح - وهذا تعريف واقعي عن راسمالية الدواء، بغض النظر عن اتجاه المقال ومدى المصداقية في المنسوب إلى ثعلب الدبلوماسية). هذا الجزء المنتقى من الخطاب يوحي بوجود مخطط، أو باقتراح مخطط، عالمي يهدف إلى السيطرة على الشعوب والتحكم في مصيرها عبر علوم وآليات علم الوراثة وعلم تحسبن النسل، وكيف أن هذا المخطط، بمنهجه وأدوات تنفيذه، سيفتح فرصًا عظيمة للمستثمرين في صناعة اللقاحات المطلوبة لجمع المليارات، ويصف هذا الكسب الاستثماري بأنه كسب متبادل عظيم (win-win)، ويبين أن العديد من الحضور هم مستثمرون، الكسب المتبادل هو إشارة إلى كسب الدولة التي تطبق هذا النهج العنصري! وكسب المستثمرين المستفيدين من حاجة النهج إلى منتوجاتهم من أدوية ولقاحات وأدوات.

ونظرة فاحصة إلى النص المختار، نجد أنه يتقطر عنصرية فجة وغباءً مفرطًا وأسلوبًا ركيكًا لا يمكن لأي إنسان يملك شيئًا من العقل، مهما بلغت به وقاحة الجرم السياسي، أن يتفوه بالكلمات التالية:

«بمجرد أن يقبل القطيع التلقيح الإجباري، تنتهي اللعبة!» سيقبلون أي شيء - التبرع بالدم أو الأعضاء - من أجل «الخير العظيم» (أي مصلحتنا في السيطرة على العالم)... يمكننا تعديل الأطفال جينياً وتعقيمهم - من أجل «الخير العظيم». تحكم بعقول الأغنام وأنت تتحكم في القطيع. يستفيد صانعوا اللقاحات ليجمعوا المليارات، والعديد منكم في هذه الغرفة اليوم مستثمرون. إنه فوز كبير - الفوز!

نحن نجعل القطيع نحيفًا (بالتجويع مع التلقيح) والقطيع يدفع لنا مقابل توفير خدمات الإبادة.

«الآن، ماذا عن الغداء، هاه !»- نهاية الخطاب، فالكلمات المنتقاة هي في نهاية الخطاب الملفق، إنها دعوة إلى إبادة بشرية!!!.

لا يمكن لا لثعلب الدبلوماسية ولا لذئب السياسة ولا حتى لطالب في علوم السياسة، أن يصل إلى هذا الدرك الهابط من التعبير والفكر في خطاب أمام منظمة دولية كبيرة، خاصة أن هذه المنظمة، منظمة الصحة العالمية، معنية بالصحة العامة لجميع شعوب العالم بعيدًا عن سياسات الدول وصراعاتها.

كلام كارثي ووقح لم يجرؤ حتى هتلر على النطق به... ليس من المعقول ولا المتوقع ان دبلوماسيًا ماكرًا وأستاذًا في جامعة هارفارد مثل الدكتور هنري كيسنجر أن يتفوه بهذه الكلمات حتى ولو كان مؤمنًا بالأفكار العامة التي توحي بها الكلمات. نعم سمعنا منذ فترة أن كيسنجر كان قد صرح بأن الكرة الأرضية لا يمكنها أن تستوعب أكثر من 500 مليون من البشر، لكن الكلام غير منطقي بجميع المعايير، وهو تعبير مكمل ومتناغم مع ما ورد في الخطاب المزعوم.

هذا لا يعني بالمطلق استبعاد إيمان كيسنجر بما توحي به الكلمات من أفكار، ولكنه وإن كان راغبًا في هذا الفكر إلا أنه على يقين من العلم والمعرفة والخبرة بأن الرياح لا تجري على أهواء السفن، فهو واقعي إلى النخاع، وهو صاحب دبلوماسية البنج - بونج التي قربت مسافة السياسة والمصلحة بين أمريكا والصين. إن قراءة واحدة لخطاب لكيسنجر، من خطاباته الكثيرة، سيكتشف أن المسافة كبيرة جدًا بين كيسنجر وبين هذه الكلمات الساذجة في وقاحتها والمستحيلة في موضوعها والمشلولة في واقعيتها.

ليس من الحصافة ولا من أهمية الدقة تصديق ما ورد في النص على أنه من قول الثعلب العجوز. إن الثعالب لا تكشف عن مخططاتها البسيطة، فما بالك بمخطط فوق عنصري ultra-racist لم يشهد له التاريخ مثيل، مهم جدًا أن نتحرى عن الحقيقة من الواقع الحقيقي قبل الحكم. ليس في أرشيف منظمة الصحة العالمية ولا في الموقع الإلكتروني لكيسنجر نفسه ما يفيد أن كيسنجر قد ألقى خطابًا في المنظمة، وليس هناك فرع أو قسم في منظمة الصحة العالمية باسم «مجلس تحسين النسل» Eugenics Council.

وهذا يذكرني بموضوع شبيه، ولكن أقل حدة ورعبًا، وهو الحديث الصحفي الذي نسب إلى كيسنجر والذي تحدث فيه عن سماع طبول الحرب، وأن من لا يسمعها به صمم... وقد تحريت عن الموضوع ووجدت أن المقابلة كانت وهمية ساخرة في مجلة إلكترونية ساخرة في بريطانيا، وأن المجلة، ومن منطلق ساخر، تنشر هذا النمط من اللقاءات الوهمية او الافتراضية بهدف السخرية، وكتبت مقالاً عنه...

أنا شخصيًا لا أتفق مع السياسة الأمريكية خاصة و الأوروبية عامة فيما يخص العلاقات الدولية واحترام القانون الدولي ومدى الالتزام به، ولكن هذا لا يعني تصديق كل شيء ينسب إليهم، والابتهاج عندما تنسب إليهم قاذورات السياسة واللا- أخلاق، فقط لأننا نختلف معهم أو لأنهم أعداء لنا. فمعرفة العدو على حقيقته أجدى وأنفع من تصديق الصورة المشوهة عنه، لأن الصورة المشوهة تساهم في رسم خطط خاطئة عند التعامل معه أو التصدي له. عندما ينخل الإنسان ذهنه من شوائب الكذب والتشويه، فإن الذهن يكون ثابتًا ومطمئنًا وأكثر قدرة على التفكير السليم، وأقرب إلى الخير وتبني أفكار السلام والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

ومن جانب آخر، حتى ولو أن دولة عظمى قد ورد بخاطرها الاستراتيجي - المصيري أن تتبنى مخططًا فوق عنصري يهدف إلى الإبادة الجماعية، فإن دول العالم لا تقف مكتوفة اليدين، فهناك دول و شعوب لها إرادتها الحرة وإمكانياتها وقدراتها لمواجهة هكذا مخطط إضافة إلى قوتها الفطرية في الصراع من أجل البقاء... موضوع المصير البشري أكثر تعقيدًا وأبعد عمقًا من مجرد أهواء ورغبات قد تدغدغ خواطر قوة عظمى.

إن تصوير دولة عظمى بأنها الشيطان الأكبر بالمطلق، رأي أو فكر أو تصور او حكم، غير دقيق وغير سليم،

فهذه الدولة العظمى، في نهاية المطاف ومن بدء المطاف، حكومة وشعب، فللحكومة إرادتها وللشعب إرادته... اليوم حكومة وغدًا حكومة أخرى... اليوم سياسة وغدًا سياسة أخرى.

ليس الهدف من المقال الدفاع عن كيسنجر ولا الاستناد إلى دولة عظمى، ولكن لعرض الحقيقة بواقعية وموضوعية، وإزالة الكذب والتشويه، حتى لا نصبح كالخراف في القطيع نصدق كل ما يرد إلينا من كلام وصور وتصورات وقيل وقال، إن كان عن الدول أو المنظمات، وإن كان عن الجماعات أو الشعوب أو الأفراد.

الإنسان الحر لا يقبل على كرامته وإنسانيته أن تشوهها الأكاذيب وتشويه الحقائق، ولا يرضى على نفسه ولا على غيره أن يساقوا كالخراف في القطيع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها