النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11371 الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 3 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

وباء كورونا وانتقال مركز الحضارة

رابط مختصر
العدد 11324 الخميس 9 ابريل 2020 الموافق 15 شعبان 1441

ضيف حل على الناس دون دعوة وقدومه شر أشر وهو غير مرحب به، ونحن محتارون مع هذا الضيف الغازي الذي جاءنا من ملكوت الفيروس، وبعث إلينا جنسًا من أجناسه واسمه كورونا. ملكوت الفيروس مرعب مخيف في عرف العلم وفي سجل التاريخ وفي نفوس الناس، بينما كورونا الاسم فهو اسم جميل لوليد جديد لعائلة فيروسية ويوحي الاسم بالجمال؛ وفي عرف الأدب والفن وعرف التجريد في الجمال فإن للأسماء الجميلة مكان مرموق وملهم للأدباء والرسامين والنحاتين. عند مقارنة الجنس بالجنس، فإن الجمال صفة مميزة للأنثى وخاصة في عالم الإنسان، ولا ندري هذا الجنس من الفيروس إن كان ذكرًا أم أنثى، فقد تشابهت الأجناس علينا من فعل الرعب فينا. وما طرأ بخاطر أحد أن يستبين الجنس لأن الأثر من الضيف الثقيل، ثقل الهم والغم على النفس، مميت و يشل النشاط و يربك الذهن و يعطل جميع الأولويات سوى التفرغ لهذا الضيف المتطفل. لكن الاسم «كورونا» اسم جميل يوحي بأن المولود الذي انغرس فينا أنثى وليس ذكر، والأنثى ألطف وأنعم و أرحم قياسًا بالذكر، والذكر ليس كالأنثى في الرقة واللطف. يستسيغ المرء في بعض الظروف القاسية أن يلطف من معاناته ويرفع من نسبة التفاؤل في روحه فيسبغ على علته صفات لطيفة ناعمة ورحيمة. فليت كورونا أنثى حتى تترفق بنا و ترثي لحالنا ويسمو الحياء فيها وتودعنا، وفراقها عيد يعلو على كل الأعياد. هذه شطحة من تفاعل الذهن والنفس أفرزتها حالة الهلع من فعل كورونا، ولكن كان ما كان جنس هذا الغول، الجبار في فعله والمتناهي الصغر في حجمه، فإنه مازال كاتمًا على أنفاس جميع شعوب العالم يعبث بها و يقض مضجعها، وفي الوقت نفسه يكشف عن التناقضات بين الدول. فهو يكشف عن درجات العجز في جبابرة الدول، وعن القدرة الفاعلة إلى درجة الإعجاز في دول صاعدة وأخرى متواضعة، تدير شئونها بأمانة وطنية وإنسانية، ومملكة البحرين بين الدول التي تصدت بفاعلية عالية راقية أمام هذا الضيف المتطفل.

انطلق الفيروس من الشرق في الصين وانتقل إلى الغرب، وأخذ ينتشر ويتكاثر في أوروبا وأمريكا بشكل مفزع ومربك، ومسيء بالنسبة لهم، ومحير بالنسبة للشرق ولبقية الشعوب. الصين في الشرق استطاعت أن تحصن نفسها وتحد من نشاط الفيروس فيها وتدير شئونها طبيًا و اقتصاديًا وسياسيًا دون فزع ولا ارتباك، وأثبتت بذلك فاعلية نظامها وكفاءة أدواتها و صلاح نهجها، و بأنها دولة تديرها قيادة تؤمن حقًا بأن الشعب، في كليته الوطنية دون استثناء، هو المسئولية العليا. وامتدادًا في هذا الشرق فإن دول الخليج وعلي رأسها البحرين أثبتت جدارتها وتحملها لمسئوليتها الوطنية والإنسانية بكفاءة عالية. واعتمادًا على المخرجات الإحصائية فإن نسبة المتعافين قياسًا بالمصابين في الشرق عامة، بما في ذلك دول الخليج، أعلى بشكل نوعي من دول الغرب وعلى رأسها الدولة الأعظم! في العالم - أمريكا. حسب آخر إحصائية، في صباح 5 أبريل 2020، فإن الإصابة في الولايات المتحدة تعادل تقريبًا ثلث الإصابات عالميًا؛ وعلى رأس القائمة بعد الولايات المتحدة تأتي الدول الرائدة في أوروبا وهي إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا، بينما بريطانيا مازالت خلف الصين، ولكن الإصابات فيها تسبق ريح الزمن لتلحق رفيقاتها متخطية الصين. وأسفل القائمة مباشرة تأتي بقية دول أوروبا ومعها إيران، بينما روسيا وبقية دول العالم، من العالم الثالث والخامس، أثبتت أنها أكثر كفاءة، وقياداتها أعلى مستوى في تحمل المسئولية الوطنية والإنسانية، وحتى أن استفادتها لمواردها الطبية، رغم محدوديتها قياسًا بالغرب، أعلى من الغرب. القيادة الأمريكية كان همها الأول استثمار حالة الوباء لرفع الأسعار، بينما القيادة البريطانية أبلغت الشعب بأن عليه أن يتوقع خسائر بشرية (الموت بالجملة) و فقدان الأحباب بدل أن تكون رسالتها تحديد المسئولية ورسم خطة عمل و زرع روح التعاون والتفاؤل. شعوب دول العالم، خارج الهيكل الغربي ذات التجمعات والتحالفات (حلف الناتو و الاتحاد الأوروبي) والتطور العلمي، محتارة من أمر هذا الهيكل الذي يتحكم في مفاصل دول العالم سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وحتى ثقافيًا، وهو الذي يحصد نصيب الأسد من جوائز نوبل للسلام كل عام. جوائز نوبل للسلام! بيده ويوزعها على نفسه، فهو يأخذ جائزة السلام بيد ويبطش بشعوب العالم باليد الأخرى، وتستخدم ذرائع حقوق الإنسان وأدواتها القانونية، المنحصرة في حق المثليين وحق المرأة (حق أريد به باطل)، لمحاربة الدول التي تحرص على استقلاليتها وكرامتها، وتصفها بالمارقة لأنها لا تستجيب لإملاءات الغرب. هذا الغرب أثبت عجزه أمام كورونا وأخذ يستنجد بالصين وغير الصين؛ الصين وروسيا وكوبا (60 عامًا وأمريكا تحاصر كوبا لتركع لها وهي تئن من الجوع والمرض) يرسلون طواقم طبية لمساعدة الدول، وعلى رأسها أمريكا وأوروبا، لمعالجة المصابين ولإمداد هذه الدول بالمعدات والأدوات الواقية. ومن أطرف ما حصل بسبب الارتباك والإرباك الذي عصف بالدولة العظمى أمريكا، هو محاولة أمريكية للاستحواذ على شحنة من مستلزمات طبية متجهة من الصين إلى فرنسا. وفي مقابلة تلفزيونية، نقلت مضمونها صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية، قال موسيلييه غاضبًا إنه «بينما كانت الشحنة في مطار شنغهاي تستعد للتوجه إلى فرنسا جاء الأميركيون حاملين الدولارات نقداً وحاولوا شراءها بثلاثة أو أربعة أضعاف الثمن وتوجيه الطائرة إلى الولايات المتحدة». لكن في النهاية، تمكن الفرنسيون من وقف عملية البيع على مدرج المطار ونُقلت الشحنة التي تضم مليوني قناع واقٍ إلى بلادهم». إن العجز الطبي الأمريكي قد بلغ حدًا يفوق كل التصورات، فقد برر هذا العجز نهج اللصوصية في وضح النهار لملئ الفراغ الطبي المشين في أمريكا؛ هذه الدولة العظمى التي لم ترعَ حرمة مكانتها ولم تحترم عهد التحالف والتعاون بينها وبين حليفتها فرنسا، ارتبكت وفقدت التوازن العقلي والحشمة النفسية فتصرفت بغوغائية العصر البربري. الأدهى والأمر والأكثر مدعاة للخزي والعار أن الذين كانوا يريدون الاستحواذ على هذه المستلزمات الطبية لم يكن همهم مساعدة الشعب الأمريكي، الذي خاب ظنه في حكومته وقيادته، والذي يعاني من وباء الفيروس ووباء حكومته ومؤسساته الاقتصادية، بل كان من أجل الاتجار بهذه المستلزمات بأسعار خيالية، وهذا ما كان قد لمح إليه الرئيس ترامب صراحة، عندما قال في بداية ظهور الفيروس، بأن الوباء! فرصة لزيادة الأرباح لأن حالة الوباء ستؤدي إلى رفع الأسعار، والإناء بما فيه ينضح.

هذا الفيروس الجديد ذات الاسم الجميل ينطبق عليه صفة بعض الملوك، الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة؛ فهذا الفيروس الذي غزا العالم قد أذل دولًا عظمى، وبالمعنى المجازي أعزة دول العالم.

وخلاصة العبرة من وباء كورونا، أن الدول التي تتسمى بالعظمى، وتعمل معًا بميزان المصالح بينها وتقسيم غنائم الشعوب بينها، ليست سوى قبضايات دولية قوية تمتلك ترسانات عسكرية ترهب بها الشعوب، تخلق الفوضى والحروب فيها وفيما بينها. وهي بهذا النهج الهمجي تحقق هدفين، الهدف الأول وضع اليد على مقدرات وموارد الشعوب، والهدف الثاني هو ترحيل مشاكلها وقضاياها الداخلية إلى الخارج؛ وقد أثبتت تداعيات كورونا مدى العجز وعدم التوازن الذي تعاني منه هذه الدول، في العلاقة بين متطلبات الشعب وأولويات الحكومة. الأولويات، وهي بيت القصيد، هي تلبية استراتيجيات الطغمة المالية، في هذه الدول، من أجل تكديس الثروات نهبًا على حساب شعوبها و شعوب العالم، وهكذا يتحقق سيطرة 2٪؜ من أباطرة المال على أكثر من 80٪؜ من حق شعوب العالم على موارده. كل شيء عندهم سلعة تحقق الأرباح المرجوة، والناس الذين لا يملكون سوى قوة عملهم وفكرهم ليسوا سوى سلعة تباع وتشترى في سوق العمالة لإنتاج السلع والخدمات، مثلما كانت أسواق النخاسة في عصر العبودية. وما هذه الجعجعة الأنانية من قبضايات العالم إلا إخلال بميزان العدل وانتهاك لحرمة القيم و لأخلاق، والقيل والمقال فيها كثير ومتعدد النكهات ؛ ومن جملة الأقوال مقولة معبرة ذات مغزى انتشرت عبر وسائط التواصل العالمي تفيد بالكلام اليقين أنه عندما انشغلت الحكومات الغربية ومخابراتها بمحاربة وباء كورونا توقف الإرهاب في كل أنحاء العالم... وبعض من الأساطير تتحدث عن قرية كانت تحت رحمة غول يعبث بها وبأهلها، فلما انشغل الغول بحال نفسه لعلة أصابته، عاد الأمن والسلام إلى ربوع القرية.

إن شعوب العالم مع هذه التجربة باهظة الثمن ابتدأت تحول أنظارها عن الغرب، لأنها أدركت هشاشة الحضارة في الغرب، وكيف أن هذه الحضارة التي يقودها تحالف المال والسياسة آيلة إلى السقوط بفضل كشف الغطاء عن عوراتها أمام شعوبها أولًا وأمام شعوب العالم ثانيًا... إن التاريخ، بموازاة الحياة، شاهد يسجل النقلة النوعية لمركز الحضارة ووهجها من الغرب إلى الشرق، وكأننا بالحضارة قد حنت إلى بيتها الشرقي، وأنه قد حان الأوان للعودة بعد هجرة مضنية في تيه الغرب، والعود إلى الأهل أحمد...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها