النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11371 الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 3 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

كورونا المستبد!!

رابط مختصر
العدد 11323 الأربعاء 8 ابريل 2020 الموافق 14 شعبان 1441

   رغم وطأة الإحساس الذي يجتاح الكثيرين في سائر بلدان المعمورة بتلاشي الأمل أو ضعفه في نجاح العلماء في فك شفرة فيروس كورونا المستجد وفهم آليات نشأته وتحوله الجيني الذي أصبح بمقتضاه آفة فتّاكة، وبتأخر أخبار سارة تبشر بتوصل علماء الأحياء والأمراض الجرثومية في مختبرات العلوم الصحية قريبا بالسرعة التي تكفل الحصول على لقاح فعال أو دواء ناجع يوقف تمدد فيروس كورونا المستجد والمستبد بانتشاره المجنون والسريع والواسع في هذه المدة الزمنية القصيرة التي أودى فيها بحياة أكثر 70 ألفًا حتى كتابة هذه السطور، فإن الحكومات التي تقع عليها مسؤولية إدارة شؤون بلدانها التي تعصف بها جائحة العدوى تبدو في وضع لا تحسد عليه فهي أيضا تواجه تحديات جمة لعل من أهمها استباق ما قد تؤول إليه الأوضاع بتوفير شروط أفضل لمقاومة الجائحة العابرة لكل الحدود حماية لشعوبها، وتحصينا لحدودها لإبعاد شبح الموت والحد من النزيف الحاد في أرواح البشر.

   والحقيقة المثبتة هي أن فيروس كورونا ليس له معيار واضح يمكن تعميمه للتخفيف من وطأة انتشاره بين مجتمع وآخر، إذا ما استثنينا الالتزام بضوابط الحجر الصحي والتشديد على غسل اليدين باستمرار، أول مبادئ الصحة العامة التي تعلمناها من قبل الدخول إلى المدرسة، وعدم ملامسة الوجه، والانضباط في تنفيذ خطط التباعد الاجتماعي الجبري الذي يلهج في كل تفصيل من تفاصيله بحب الآخرين والحياة رغم قسوته الظاهرة التي تجعلنا نتواصل من دون أن يؤذي أحدنا من يحبهم وممن يتقاسم معهم ترف العيش وشظفه. مبدأ التباعد الاجتماعي فرضته جائحة كوفيد 19، واقتحم علينا حياتنا، وأربك الكثير مما ألفناه من نواميس العيش معا؛ ولذلك كان تطبيقه بالصرامة التي يدعو إليها الأطباء خاضعا للنسبية لا في مجتمعاتنا العربية فحسب - كما يظن بعض الناس- وإنما في المجتمعات المتقدمة التي كنا نظن أنها مثال في الانضباط الاجتماعي والتقيد بشروط الصحة العامة وضوابطها. 

   وإذا ما تأملنا الأشكال والرسومات التوضيحة والنماذج المدروسة بعناية التي يعرضها المتخصصون في مجالهم ويتداولها الناس على وسائل الإعلام المختلفة لإظهار أهمية التباعد الاجتماعي في فترة عدم وجود الأمصال والعلاجات الناجعة لإبعاد خطر هذا الفيروس الفتاك، لتأكد لنا أن الوعي بأبجديات الصحة العامة قاصر في كل المجتمعات الإنسانية، وأن كل الأوبئة التي مرت بها المجتمعات عبر التاريخ لم تخلف وعيًا متكاملاً بأهمية الصحة العامة. ولعل ذلك من الأسباب التي جعلت إصابات جائحة كوفيد 19 تقترب من المليون المليون إصابة. وإذا ما استمرت الإصابات على هذه الوتيرة المتسارعة فإنه من المؤكد أن البشرية ستقفز على هذا الرقم عاليا، رغم أن عدد الوفيات إلى حد الآن لم يبلغ، ولله الحمد، الرقم المفزع الذي بلغته الأنفلونزا الإسبانية مثلاً الذي تجاوز الخمسين مليونا.

  وعلى ضخامة المنجز في مجال تصنيع الأدوية وابتكار الأدوات والوسائل التقنية المساعدة فقد ثَبُتَ أن هذا التقدم المحرز في الصحة العامة ومحاربة الأمراض المعدية، لا يكفي للتصدي لهذا الهجوم المباغت والشرس للفيروس الذي شلّ المجتمعات وفكك أوصالها وخسف باقتصاداتها وفرض شروط مقاومة واجبة ونمط حياة على كل دول العالم الأخذ بها، ومع كل هذا الجهد إلا أنه يبدو حتى الآن أن القادم، بحسب ما يصرح به المسؤولون الأمميون، أقسى، إذ أن انتشار فيروس كورونا في أنحاء المعمورة فاق كل تصور، وقدرة هذا الفيروس على التأقلم مع مختلف المناخات تحير وتبدد بعض الأمل القائم في أن حلول الصيف سيجعل نهاية الفيروس حتمية. ولذلك فلا حلول متاحة أمامنا الآن إلا التقيد بتعليمات الجهات المختصة، وإلزام النفس، بل وإكراهها على أن تتبنى عادات جديدة وسلوكًا جديدًا يحفظ أرواحنا وأرواح من نحب.

   صحيح أن هواجس النفس وهي تنساق وراء أرقام المصابين والموتى قد تجعلنا نعايش نوعا من الكآبة، ولكن حبنا الحياة يطرد هذه الحالة، ويجعلنا نتشبث ببوارق الأمل. صحيح أنني أتحدث هنا عن صورة قاتمة أعلم أننا لن نُدرك مآل نهاياتها على النحو الذي يأخذنا إليه الفيروس، وهي صورة تقتضي منا أفرادَ مجتمع وجماعات على نحو جاد، أن نأخذ على محمل الجد كل ما يصدر من الجهات المخولة بإصدار التعليمات والتوجيهات، وألّا نلتفت إلى ما يُنتج على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأن فيه الكثير مما يضر عملية مكافحة الفيروس، حتى وإن كان ذلك بغير قصد، من ذلك مثلاً أن إشاعة خبر كاذب عن توصل بعض المحتالين أو بعض المصابين بداء الكذب إلى اكتشاف عقار ناجع ضد الجائحة، قد يحرض بعض الناس توقا إلى حياتنا الماضية على كسر ضوابط التباعد الاجتماعي والحجر الصحي فتحدث لا قدر الله الكارثة. ولنتذكر معًا أن وعينا هو الفيصل في هذه المعركة، وأن ضبط العواطف وتحكيم العقل سيقودنا معا إلى تجاوز هذه المحنة بأقل الأضرار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها