النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11371 الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 3 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

كورونا والجائحة وما بعدهما

رابط مختصر
العدد 11321 الإثنين 6 ابريل 2020 الموافق 12 شعبان 1441

  • تركت البشرية نفسها عُهدةً في أيدي «أقل من خلية»

 

من دون صفارة إنذار واحدة، دخل العالم طواعية إلى ثكناته مجبرًا، ومن دون طلقة رصاص طائشة، التزمت البشرية بيوتها، أما العدو فلم يكن اجتياحًا للحدود المعترف بها بين الدول، ولم يكن غارة غادرة من عدو مُتربص في الجوار البعيد، أو آخر متحفز في عرض البحر أو في عمق المحيط.

العدو هذه المرة لم يهبط من السماء، ولم يكن صنيعة مجرة معادية تسعى لابتزاز ثروات الأرض، أو من كوكب خارق للعادة يريد الهيمنة على بقية كواكب المجموعة الشمسية.

مجرد فيروس لا يتجاوز حجمه من 26 إلى 32 كيلو قاعدة، يعني لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، مجرد مخلوق غير مكتمل الخلية، يعني أقل حجمًا ووزنًا وأثرًا من أية خلية، لكنه قادر على تدمير كونٍ بأسره، قادر على إقعاد مليارات من البشر، وعلى إفلاس آلاف المصانع، وإزهاق ملايين الأرواح.

مجرد حمض نووي وغلاف سيتوبلازمي، رغم ذلك فقد أسقط إمبراطوريات، وكشف النقاب عن عورات أمم وأنظمة، وفضح العديد من الثوابت وألغى القوانين الوضعية، وأبطل العمل باللوائح المتغطرسة والبرامج الظالمة، والأحكام الإنسانية المعادية للإنسانية ذاتها.

في لحظة شفافية إجبارية لا بد أن يخرج علينا الأقوى في الدنيا، والأشرس في غابة الخليقة الظلماء، والأكثر عُتمةً وبطشًا وجبروتًا في المعمورة بالاعتراف صراحةً، أنه لا النظام الصحي السائد في أغنى دول العالم وأكثرها اعتقادًا بتفوقها العلمي يمكن أن يصلح لإعادة الحياة مثلما كانت على الكوكب، ولا البلدان الأكثر ثراءً تمكنت بأموالها وخزائن مصارفها وأساطيلها الاستثمارية الجرارة أن تنقذ حياة مُصاب واحد بفيروس كورونا.

تركت البشرية نفسها عُهدةً في أيدي «أقل من خلية»، وتوجهت بالدعاء إلى ربٍ عزيزٍ مقتدرٍ لكي ينقذنا بما نحن فيه، لكي ندعو والله وحده المستجاب، ونبكي ودموعنا هي التي تتضرع إلى المولى كي يُزيح البلاء من أيامنا، والوباء من أمهات أفكارنا، والكارثة من سوءات أعمالنا.

كل ما قلناه، وكل ما صنعناه، وكل ما زرعته أناملنا الخبيثة من قبل كورونا، نجني ثماره اليوم، الثروات التي ذهبت إلى «الهيافات» في حياتنا ولم تذهب للعلماء أو الأدباء أو المفكرين ولا حتى لمراكز البحوث العلمية، الكبائر التي ارتكبناها، والصغائر التي مارسناها، والحقوق التي تغاضينا عنها دفعتنا في هذه اللحظة الكونية المُجهدة إلى توبة نصوحة، لا لشيء إلا لأننا في مرمى فيروس غامض، تاجي المظهر، سريع الانتشار والاستلقاء على الأسطح المعدنية أو الملساء، شديد البأس عندما يتملك الجهاز التنفسي فيطرح صاحبه أرضًا، ويلقي به في أفران الحرق الأوروبية المُكدسة.

أما كبار السن فقد كانوا وقودًا لـ«كورونا»، امتنعت عدة دول أوروبية عن علاجهم، ألقت بهم في غياهب المجهول، تركتهم فريسة للفيروس اللعين، ولم ترحم توسلاتهم، أو تاريخهم في العمل والبذل والعطاء.

أوروبا هي التي جاءت بالثورة الصناعية، وأمريكا التي ظنت بأنها قادرة على الأرض وما عليها، ودول أخرى تظن في نفسها الكثير لكنها لا تعلنها صراحة بأنها على خط المواجهة مع متغطرسين آخرين، حتى هؤلاء، آسيويين أو أوروبيين شرقيين، أو شرق أوسطيين واهمين، جميعهم في سلة مهملات كورونا سواء، الكل سواسية في الذل كأسنان المشط مع (كوفيد 19) وليس مع إله الحب «كيوبيد»، الكل ينكسرون كأسنان المشط، هكذا قالها الشاعر أمل دنقل وهو يتنبأ بـ«العهد الآتي»، وهو يندب حظ أمته الإنسانية لأنها تخلت عن قضاياها المصيرية. 

لم يتوقع أكثر المتشائمين تفاؤلاً بأن ترامب زعيم القوة الأعظم في العالم «نظريًا» سوف يخرج على التلفاز مُعلنًا عجزه عن توفير أجهزة تنفس اصطناعي تكفي لعشرات الآلاف من المصابين، ولم يخطر ببال أحد أنه سوف يقف محتارًا أمام العالم كله في مؤتمر صحفي يومي وهو يبشر الناس بأسود أسبوعين قادمين في التاريخ، لم يتوقع أكثر المؤمنين بالنظام الكوني الهش وأشد المتعصبين له أن خلافًا حادًا داخل القفص الرئاسي البيضاوي مع «جنرال موتورز» الأمريكية قد نشب بالفعل حول تصنيع أدوات وأجهزة لإنقاذ الملايين من الشعب الأمريكي «المسكين». 

أما أوروبا فكارثتها أنها لا تستطيع توفير غرف عناية مركزة لشعوبها، ومصيبة أمريكا أنها دخلت الحرب الكونية غير مستعدة إلا بصواريخ عابرة للقارات، وليس بعقاقير نافذة تحت الجلد، ومشكلة الدول الأقل نموًا أنها قد تستغرق وقتًا طويلاً حتى تكتشف أن شعوبها لم تُصب بالمرض لأن الله وحده أعلم بأحوالها وأوضاعها، وبواقعها المرير وجادتها الواهنة.

العالم بعد كورونا لن يكون مثلما كان قبله، لا القوانين ستبقى كما هي، ولا الأنظمة الصحية والحياتية والسياسية والاقتصادية سوف تستطيع العيش مع فضائح (كوفيد 19)، وانكشافات آثاره واستكشافات الذين أفلتوا من «الأفران الحارقة» بأعجوبة.

لقد قالها محمود درويش يومًا، كل الذين ماتوا نجوا من الحياة بأعجوبة، لكن كورونا يعلمنا درسًا أقسى مفاده: كل شيء أسقط الكرة الأرضية بفعل كورونا، لا يجب أن يبقى أبدًا بعد زوال الخطر.

لا يجب مثلاً أن يبقى النظام السياسي والصحي في إيطاليا وإسبانيا، ولا الاتحاد الأوروبي بعد أن انكفأت أقطاره على أمراضها وتخلت عن بعضها البعض، الدولة الأعظم في العالم سوف تسلم مفتاح القيادة للدولة التي تستطيع الانتصار أولاً على كورونا، «الصين رغم أنفها» ربما، الصين وروسيا معًا، قد يكون، بالنتيجة لا بد من نظام كوني جديد يكرم العلماء، يشجعهم على البحث والتقصي وقبول التحدي، لا يجب أن يربح كبار رجال الأعمال والتجار مثلما كانوا يربحون، لا بد أن تكون هناك حدود قصوى للربح، والباقي يدخل في منظومة بيوت المال، أو صناديق السيادة التي لا ينبغي أن يهيمن عليها ظَلَمة أو جهلاء أو متسلطين أو متسلقين.

التوزيع الأمثل للثروات على الأرض يجب أن يكون هو المقصد، هو المرتجى والهدف الأسمى للبشرية.

الكون بعد كورونا، لن يكون مثلما كان قبله، وإلا فإن كورونا سوف يعود ربما مثلما جاء، وربما في حلة قشيبة جديدة، وربما لن يكون العودُ أَحمدُ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها