النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11371 الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 3 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

هابرماس.. العقل التواصلي

رابط مختصر
العدد 11319 السبت 4 ابريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441

يورغن هابرماس شخصية لها اعتبارها الكبير، ليس في ألمانيا التي أنجبت هذا الفيلسوف المتألق في بلاد يكثر فيها الفلاسفة، لكنه شخصية بارزة في الغرب والعالم. يعتبر هذا الفيلسوف الوريث الشرعي للفلاسفة والمفكرين الذين شكلوا النواة الأولى لفكر النقد الاجتماعي لمدرسة فرانكفورت ذات الشهرة الواسعة. وعرفت مدرسة فرانكفورت روادا مشهورين في الفكر النقدي الاجتماعي، من مثل تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر اللذين ألّفا معا كتاب (جدل التنوير) لإعادة الاعتبار للعقلانية التي لم تعد في حالة صحية بعد اضطرابات الفكر الغربي الحديث. 

ويعتبر هابرماس وأدورنو من أبرز الفلاسفة الذين انتقدوا العقل الأداتي المسيطر على العقل الأوروبي الحديث؛ ذلك العقل الذي لا يرى الظواهر في كليتها، بل يأخذها على حدة، كما لا يقَيّم أي عمل بناءً على أهميته وتأثيره في الإنسان والمحيط. وقد حول العقل الأداتي الإنسان إلى شيء، أو وسيلة إنتاج، بغضّ النظر عن قيمة هذا الإنسان، ما أدى إلى التشيؤ الذي حول الإنسان من قيمة وهدف لكل عمل وفي كل مسألة إلى وسيلة آلية لهدف بعيدا عن الاهتمام بالتأثيرات التي يتركها هذا الهدف في المجتمع؛ وربما تكون أزمة المناخ الأخيرة التي تهدد الحياة على هذا الكوكب، هي أحد تمظهرات العقل الأداتي، فالرأسمالية التي تسببت في هذه الأزمة لم يفكر أصحابها في تأثير الصناعة عَلى الطبيعة وعلى حياة البشر، لكن تركز تفكيرهم على الفائدة والربح. في مجتمعات العقل الأداتي يغترب الإنسان عن بيئته الاجتماعية ويتحول إلى سلعة، يتم تسخيرها وإعدادها لتكديس الثروة. في وقت مبكر من القرن العشرين برزت هذه الظاهرة التي أفرزها العصر الصناعي. ويرى هوبرماس ورهطه من الفلاسفة والمفكرين أن أهداف عصر التنوير قد شُوّهت؛ ذلك العصر الذي صنع عقلاً موضوعيًا يرى الأمور من أبعاد مختلفة غير مجزأة وشاملة. 

عالج رواد مدرسة فرانكفورت هذا العقل الأداتي الذي راح ينمو كإفراز للرأسمالية، وأبرزوا في فترة مبكرة من القرن الماضي عيوب هذا العقل وتبعاته السلبية؛ واقترحوا أن يحل العقل النقدي بدل العقل الأداتي لتستقيم الأمور. والعقل النقدي هو نقيض للعقل الأداتي، فهو يأخذ موقفًا نقديًا من السلوك والعمل أو الممارسة أو المنتج؛ ليرى الأمور ضمن علاقتها بالمحيط وتأثيرها على الآخرين. 

يواصل هابرماس الذي تجاوز عمره التسعين هذا العام دعوة العقل النقدي بعد أن طورها لتتلاءم مع المستجدات في المرحلة الرأسمالية الحالية. وقام بعرض مشروعه الفكري الذي أنزل الفلسفة من سماء التجريد، إلى أرض الواقع، وأسس نظرية العقل التواصلي، عبر ثلاثة مؤلفات، هي كتاب (نظرية الفعل التواصلي) أصدره في العام 1981 وكتاب (الأخلاق والتواصل) وأصدره في العام 1983، وكتاب (القول الفلسفي للحداثة) أصدره في العام 1986. 

اشتهر هابرماس ونال مكانة متميزة لرصانته العلمية العالية وسبره بدقة الحالة الاجتماعية والاقتصادية في ألمانيا وأوروبا، وما انتهى إليه النظام الليبرالي التعددي من خلل، ويكشف عن عورات الرأسمالية في عمرها المتأخر؛ في عصر العولمة. بشكل عام يشتغل وينشغل فلاسفة ومفكرو الغرب ومثقفوه في الوقت الراهن لإعادة الاعتبار إلى العقل النقدي؛ وريث التنوير. ويعتقد هابرماس أن هذا هو الطريق الوحيد لإعادة الأمور إلى نصابها. 

كما يرى أن الفكر الغربي في حاجة إلى تجديد لانتشاله من الأداتية، والعودة به إلى أساسه الذي بناه في عصر التنوير بمقاييسه الموضوعية، التي تفهم الذاتي من خلال علاقته بالموضوعي، والظاهرة بعلاقتها الكليّة. بعض إشارات هذا الخلل تظهر في تنامي اليمين الشعبوي، الذي سيدفع المجتمعات إلى الصدام والفوضى، في ظل الرأسمالية. ويجد المفكرون المعاصرون في القارة العجوز أنهم أمام خيارين: إما تطويرالليبرالية، أو الطوفان الشعبوي، والإرهاب والعنف، وتدهور السلام العالمي. ويعتقد هابرماس أن أهداف التنوير الذي بدأ في القرن الثامن عشر لم تنجز بعد، ولم تكتمل، وأن الغرب في أمسّ الحاجة لإنجاز هذا الهدف عبر العقل التواصلي الذي يؤسس الحوار الديمقراطي الحر المفتوح بين الأطراف المتنازعة، للوصول إلى نظام اجتماعي جديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها