النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11375 السبت 30 مايو 2020 الموافق 7 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:25AM
  • العشاء
    7:55PM

كتاب الايام

هذا المسؤول أعرفه!!

رابط مختصر
العدد 11316 الأربعاء 1 ابريل 2020 الموافق 8 شعبان 1441

رغم ما يختلج في الصدور، ويعتمل في النفوس، بفعل كورون تخرج الأخبار علينا أحيانًا، بالسار في شدائد أيامنا، والجميل في فدائح مصائبنا، أما الحدث فهو تعيين رئيس تنفيذي جديد لبنك البحرين والكويت هو الدكتور عبدالرحمن علي سيف، ربما تكون تلك من المرات القلائل التي أقوم فيها بالتعليق على تعيين رئيس لمصرف أو لشركة، بالتأييد أو بالمناكفة لهذا القرار، بالاحترام أو التحفظ على الشخص المعني.

لكن في حالة الدكتور عبدالرحمن سيف فإنني أزعم بأنني عرفته عن قرب عندما كان يرأس دائرة البحوث الاقتصادية في مؤسسة نقد البحرين «المصرف المركزي حاليًا» عرفته باحثًا أمينًا، ومصرفيًا هادئًا، وشخصًا دؤوبًا يتوق إلى المعرفة، ويحترم الحقيقة ويسعى دائمًا للحصول عليها، أو الوصول إليها أو سبر أدق أغوارها.

في عصره داخل «المؤسسة» كنت دائم المواظبة على زيارته في مكتبه، بابه بل ونوافذه كانت دائمًا مفتوحة للصحفيين عمومًا ولي على وجه الخصوص، فكرته كانت تسيقه إلينا عندما نكتب أو نحلل أو نحاول الحصول على خبر لم يكن في المتناول، لكنه رغم محاذير المكان وتقاليد المكانة، ورغم فيض المعلومات الممنوعة من الصرف، وتلك المسموح بتداولها على مضض إلا أن عبدالرحمن سيف كان شفافًا وكان صادقًا، وكان جسورًا.

لم أندم في يوم من الأيام على زيارتي له في مكتبه «المهم» بالمؤسسة، لم أسعى معه لخبر أو لحوار صحفي بقدر ما كنت سعيد الحظ لأنه كان يتيح لي فرص المناقشات المتعمقة حول أحداث مصرفية بعينها، وأمور اقتصادية بحد ذاتها، وكان يستمع بإمعان، ويستقبل الأسئلة عن طيب خاطر، ثم يعود ويهدي إلينا النشرة الفصلية لمؤسسة نقد البحرين التي كانت تحوي كل الفحوى وكل المحتوى وكل الأدلة والبراهين على الموقف الحقيقي لمصارفنا، وعلى الأرقام الكامنة في معلومات موازين المدفوعات والموازين التجارية وموجودات ومطلوبات المصارف، وحالة السيولة، وماضي المرحلة وحاضرها.

لقد كان عبقريًا في قراءته للأرقام المنشورة وفي تحليله لأبعادها وتفاصيلها الدقيقة التي تخبئها الجداول والمنحنيات والمفردات عصية الفهم والمنال.

وها نحن اليوم نقرأ في الصحف انضمامه لفريق بنك البحرين والكويت كرئيس تنفيذي جديد، رئيس قادم من ثقافة الاحتراز إلى ثقافة الانطلاق، من علوم المال بقوانينها الصارمة، إلى حرفية الصيرفة بلوائحها وتقاليدها العريقة القائمة.

عبدالرحمن علي سيف وجه مشرق جديد في أحداث اليوم، رغم الأسى من مشاهد كونية، والألم من ضحايا عدوان غامض على البشرية، ورغم الخوف على منظومة مصرفية ضحت من أجل أن يكون لها ذلك الصيت الدولي، وتلك السمعة العالمية النافذة، إنه اختيار في مكانه وفي توقيته، وفي لحظته التاريخية المرعية.

عبدالرحمن سيف أراه قادرًا على مواجهة التحدي، وأراه مثلما يراه كثير من النخب غيري منظم إلى أبعد الحدود، يعمل دائمًا في صمت وفي عمق، وفي تركيز نحتاجه في هذه الأيام العصيبة من تاريخ كوكبنا.

ذات يوم ذهبت إليه قاصدًا الإجابة على بعض الأسئلة، فإذا به يباغتني بأسئلة أخرى أكثر أهمية وإلحاحًا، وبالغعل انبريت في الإجابة على أسئلته الحساسة محاولًا اقتفاء أثر بعض المعلومات التي كنت أبحث عنها، لكنه بذكائه الشديد، ودماثة خُلُقه الرفيع لم يرفض أسئلتي، ولم يواجهني بتحفظه صراحةً، لكنه قال لي أكتب أسئلتك لعلها تجد طريقها الصحيح نحو المحافظ «محافظ مؤسسة النقد»، شكرته بعد أن فهمت الرسالة، فإذا بي وأنا أغادر مكتبه أجد المحافظ سعادة السيد عبدالله بن حسن سيف آنذاك على الباب مُلقيًا بالسلام، فإذا بالدكتور عبدالرحمن يخبره برغبتي في إجراء حوار عن كذا وكذا، وبالفعل ذهبت مع المحافظ إلى مكتبه وكان لنا حديثًا ساخنًا حول أحداث الساعة المصرفية آنذاك، وحول قدرة الدكتور عبدالرحمن على امتصاص أسئلة الصحفيين المحرجة أحيانًا والضرورية أحيانًا أخرى.

هي الصيرفة، علم وفن وذوق وأخلاق، أمانة في أعماق المهنيين الحقيقيين،  ومربط فرس في أعناق الاقتصاديين وصناع القرار المحترفين، لكنها في الوقت نفسه جهد إنساني، ودماثة حتى النخاع، وأماني معلقة على شماعات الواقع المرئي، والآخر المخفي.

الله معك يا دكتور في هذه اللحظات العصيبة وأنت تعتلي منصة أحد أكبر المصارف التجارية في بلادنا، وإحدى أهم المؤسسات الملقبة ببنك الناس كل الناس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها