النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11375 السبت 30 مايو 2020 الموافق 7 شوال 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:14AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:25AM
  • العشاء
    7:55PM

كتاب الايام

قراءة في لوحة فنية من المدرسة الواقعية

رابط مختصر
العدد 11316 الأربعاء 1 ابريل 2020 الموافق 8 شعبان 1441

«لوحة للفنان الروسي فيدور ريشيتنيكوف»، وهي لفتى عائد من المدرسة وقد رسب في الامتحان، وكيف أن العائلة تنظر إليه بلوم، وأخوه ينظر إليه بشماتة... يقول لهم الفنان: «عاملوه كما عامله الكلب، فهو يحبه ناجح أو راسب، يحبه لذاته». اللوحة تتضمن صور لأشخاص في حيز صغير يجمع بين غرفة الجلوس و غرفة الطعام ضمن بيت متواضع من نمط بيوت أصحاب الدخل المحدود. في الزاوية اليمني أم وفتاة تقارب سن المراهقة وابن لم يتخطى بعد السابعة يوجهون أنظارهم إلى الابن العائد من المدرسة بيده حقيبة وأنظاره تائهة في إتجاه آخر لا ينظر إلى أحد ولا إلى أي شيء، بينما يستقبله كلب واقف علي رجليه واضعًا يديه على كتفيه تعبيرًا عن فرحته، الكلب فرح بعودة أحد الأبناء من المدرسة، بينما أعضاء الأسرة كلهم مستاؤون، لا لعودته ولكن لرسوبه في الامتحان، ونظراتهم الشاخصة إليه تنطق باللوم وعدم الرضى. استرشادًا بالمدرسة الفنية التي ينتمي إليها الفنان، فإنه يرسل رسالة إلى المجتمع عامة والعائلات خاصة وإلى الأبوين مباشرة، مفادها أن الحب أولى من اللوم في التعامل مع الأطفال عندما يخطئون في سلوكهم وتعاملاتهم اليومية، أو عندما لا يحالفهم الحظ أو الجد والاجتهاد أمام ورقة الامتحان ويرسبون في المدرسية، أو أنهم غير مبالين إلى الدراسة. الفنان، بهذا التوجه، يأخذ دور المربي المتخصص في مجال أصول التربية المدرسية وخاصة تربية الأطفال، وهو مجال تخصصي يقتضي من المتخصص أن يكون ملمًا بمجالات ذات علاقة مباشرة بمجال تخصصه، مثل علم النفس وعلم الاجتماع وطبعًا التربية والتعليم. ولا نعتقد أن الفنان يجرؤ بالإدعاء أنه ملم بكل هذه العلوم إضافة إلى مهاراته الفنية في الرقص بالريش والألوان على رقعة ورق أو قطعة قماش ليبدع عملاً فنيًا في مجال الفن التشكيلي. هذا لا يعنى أبدًا أنه ليس للفنان الحق الذاتي في التعبير عن رأيه، أو تحديد موقف، بخصوص أي أمر أو قضية اجتماعية أو تربوية، ولكنه رأي أو موقف لا يتعدى حدود الذات في أمر موضوعي أثقل من قدرته على حمل تبعاته. لكن رأي الفنان، الذي ينعكس في لوحاته، هو حق شخصي وواجب مجتمعي لأنه جزء من المجتمع، وكم من فكرٍ ورأيٍ من غير أهل التخصص أفاد أهل التخصص، فكيف بالأديب المفكر والفنان المبدع، والإبداع طفرة في الفكر. فرسالة الفنان في مجال تخصصي خارج دائرة الفن قد يساهم بقيمة مضافة إلى الصرح الفكري للمجالات التخصصية، وخاصة مجالات العلوم الإنسانية.

الفنان ريشيتنيكوف أدلى بدلوه في مجال تربية الأطفال ذات العلاقة بالتعليم، وصور رأيه في لوحة فنية، رسالته واضحة، والمستهدف هو المجتمع كله في بنيته الأسرية. يخاطب الأسر في المجتمع بلسان فنان يتقمص صفة أبٍ أو جدٍ أو إنسانٍ حكيم، فهو، من منظور نفسه، الناصح الأمين لأبناء مجتمعه، ويحز في نفسه أن يرى قسوة الأبوين تجاه الأبناء، وإن كانت تلك القسوة قد لطفتها نبرات اللوم. إن دور الناصح النصوح ليس مستغربًا على هذا الفنان، فهو ينتمي إلى المدرسة الواقعية الاشتراكية في الفن، وتمتد مساحة هذه المدرسة لتشمل الأدب وجميع صنوف وأجناس الفن، وهو الابن البار للدولة السوفياتية التي كانت ترى أن الفن والأدب، هما من الشعب وللشعب، وبالنتيجة يجب أن يخدما الشعب و يكونا منابر توجيهية وتعليمية في المجتمع. اللوحة التي تخرج من المدرسة الواقعية تعبر عن مكنون ذاتها دون حاجة إلى كلمات، والصورة عن ألف كلمة، وكل الكلمات، مهما كان حجمها، هي تعبير عن صور أمام العبن وصور داخل الذهن، فالكلمات أسيرة الصور، لا يمكن للكلمة، إن كانت نطقًا أو خطًا، إلا أن تسبقها صورة، والمشاهد ليس في حاجة أن يكون لبيبًا أمام لوحة مرسومة بريشة قريبة من فعل الكاميرا كي يفهم مغزى اللوحة و ما يدور في ذهن الفنان. وهكذا توحي ريشة الفنان الذي ينتمي إلى المدرسة الواقعية، بأشكالها، الاجتماعية أو الطبيعية أو الاشتراكية. والمدرسة الواقعية الاشتراكية أكثر توضيحًا لواقعية الصورة المستوحاة من اللوحة مقارنة ببقية المدارس الواقعية، فهي ترمي من ريشة الفن إبلاغ رسالة تربوية أو اجتماعية أو سياسية أو سلوكية أو أيدولوجية دون عناء في التركيز أو إطالة في التمعن من قبل المشاهد. إن جمهور المدرسة الواقعية أكبر بكثير من جمهور بقية المدارس، وخاصة من المدارس الحديثة ذات الطابع التجريدي البحت، التي تنتج لوحات يستعصي على الفنان نفسه التعبير عن إنتاجه الفني. بشكل عام نحن أمام خندقين في الفن، خندق الفن للفن، وخندق الفن للمجتمع والإنسان، خندق يرى الفن غاية، والخندق الواقعي يرى الفن وسيلة لإبلاغ رسائل إلى الإنسان في المجتمع.

لأن الفنان صاحب رسالة عبر الواقعية الاشتراكية التي تستند على منهج الديالكتيك المادي، فلنا رأي شبه جدلي فيما يخص رسالته التربوية، ونحصر الرأي في العلاقة بين الحب واللوم. من وجهة المنهج الديالكتيكي فإن الفنان تناول حب الكلب ولوم الأهل للابن بمنظور شبه ديني، أي بنظرة مطلقة، فالحب حب، واللوم لوم، وشتان التلاقي بينهما، رغم تبني الفنان لمنهج الديالكتيك المادي كونه فنان الاتحاد السوفييتي، وحائز علي جوائز من الدولة.

إن العلاقات بأنواعها بين الناس في الحياة علمتنا وتعلمنا كل يوم أن بين الحب واللوم أو العتاب وحدة ملزمة، مثل وحدة القطبين في الكهرباء بين الخط السالب والخط الموجب، الحب الواقعي في تناقض مع ذاته بذاته، فلا يستقيم حب، استقامة الدوام لولا اللوم والعتب بين الأحبة بين حين وآخر. بين اللائم والملام رباط من الود والحب، وما كان للوم أن يشد الرباط بينهما لولا الحب الذي يجمعهما... اللائم يؤلمه الحب، والملام يؤنبه الحب. واللوم وجه من العتب أطل على الحب بأمر اقتضى العتاب من حبيب إلى حبيب، وما من عتب ولا لوم بين من لا علاقة بينهما ولا بين الخصوم والأعداء، فاللوم والعتاب طارئ يشد رباط الود حفاظًا عليه ورعاية به... هكذا الحب على أرض العلاقات بين الناس، فكيف بالحب الذي يربط الأم والأب بالأبناء، إنه الحب الأنقى، وهذا النقاء في الحب تتوجه توقعات نشطة حية في أذهان الأم والأب، بينما الأبناء بعد لم يشتد عود الذهن فيهم كي يحملوا أعباء هذه التوقعات المضنية. عندما يختل ميزان التوقعات في ذهن الوالدين يهتز رباط الحب بالغضب، ويلطف الحب لسعة الغضب بلمسة اللوم، فيكون اللوم درسًا وتوجيهًا يشد من أزر الحب و يقويه. لكن هل كان بإمكان الفنان أن يعبر فنيًا عن وحدة الأضداد في الحب الذي نطق باللوم؟ على افتراض أنه تمكن من ذلك، فإن رسالته ستكون معقدة وتفقد صلتها المباشرة مع المتلقي، بينما اللوحة تفسر نفسها بذاتها، والرسالة واضحة ومباشرة، إلا أن العلاقة بالأيدولوجيا التي يتبناها الفنان غير دقيقة...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها