النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11524 الإثنين 26 أكتوبر 2020 الموافق 9 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

المرأة نبع الحب والعطاء

رابط مختصر
العدد 11311 السبت 28 مارس 2020 الموافق 4 شعبان 1441

 تجسّد الفنون والآداب المشاعر الإنسانية بصفتها المخزون الروحي للإنسان، وخصوصا عند المرأة التي تملك كمّاً هائلا من المشاعر، تظهر أكبر تجلياتها في مشاعرالأمومة. الفنان التشكيلي إبراهيم خليفة عالج هذا الموضوع في ثلاث لوحات، ضمن معرض الفنون التشكيلية الـ(46) الذي نظمته هيئة الثقافة والآثار مؤخرا. اختزلت تلك اللوحات هذا الشعور النبيل عند المرأة؛ هذا الكائن الأكثر نبلا وعطاءً وإنسانية. ولفتت تلك اللوحات انتباه الزوار ونالت إعجابهم، ففازت في (مسابقة تصويت الجمهور). 

وتصور اللوحات مشاعر الأمومة في ثلاث مراحل عمرية، أبرز فيها الفنان الشاب إبراهيم خليفة العلاقة العميقة بين الأم وابنتها في مراحل مختلفة. في اللوحة الأولى تحمل الأم طفلتها الرضيعة الشاحبة التي لم تتكون ملامحها بعد وهي في طور الرضاعة. وتحتضن الأم رضيعتها بين يديها في هذه اللوحة بحنان بالغ. في اللوحة الثانية، الرضيعة أصبحت طفلة تسيرعلى قدميها متشبثة بيد أمها فمرحلة الاعتماد على النفس لم تبدأ، وهي في حاجة إلى أمها كثيرا. هذه اللوحة تعبر عن استمرار رعاية الأم والتجانس الذي نشأ بينهما، والأم في هذه اللوحة تبدو أكثر استرخاءً فهي الآن سعيدة بفتاتها الصغيرة التي كبرت واستوى عودها وفي طريقها إلى البلوغ؛ لكنها لا زالت طفلة. ونحن كلنا موجودون في هذه اللوحة، ونتذكر لا نزال صحبة أمهاتنا وبنفس الطريقة وهن يمضين بنا في طرقات الحياة؛ وشعور من الأمان والطمأنينة يحتوينا. كلنا نتذكر -من خلال اللوحة- هذه الحالات واللحظات، ونستطيع استرجاعها مع مشاهد مماثلة كثيرة مررنا بها في الأسرة، وهذه أحد أسباب تفاعل الجمهور مع اللوحات الثلاث واختيارها للمركز الأول، فهي تجسد خبرتنا جميعا وتوقظ فينا شعور بالامتنان لأمهاتنا. اللوحة الثالثة تمثل حصاد الأم وفرحتها فالطفلة الصغيرة على وشك النضوج، وتقاربها في الطول، وهي فتاة بالغة مستوية العود وتحتضنها ووجهها مقارب لوجه الأم.

واللوحات الثلاث اختزلت ببراعة وإتقان عطاء الأم المتواصل ودورها الكبير ومكانتها الرفيعة في الأسرة. هذا الانطباع كما أعتقد يستحوذ علينا ونحن نتأمل اللوحات بعناية، ولا نملك إلا أن نتأملها بعناية، لما فيها من جاذبية تلفت الانتباه وتحفز المخيلة لنتأمل عطاء الأم وثمار هذا العطاء وهو في اكتمال. وسنخرج نحن بحصيلة من المشاعر والأفكار تجسد حقيقة المرأة وجوهرها الثمين، ومكانتها في الأسرة وفي المجتمع. فالمرأة هي المخلوق الأرقى، والأسمى، الأكثر نبلاً وعطاءً. وليس كثيراً أن نقول إن معظم النساء من صنف الملائكة فهن مفطورات على العاطفة التي تفيض على الأسرة كلها، بما فيهم الزوج. 

الفنان المبدع إبراهيم خليفة ترك في اللوحات الثلاث مساحة للتأمل والقراءة الثانية التي يقوم بها المشاهد، في فسحة متسعة للخيال، ليصبح المشاهد مشاركاً فعلياً في اللوحة، متفاعلًا معها. يُظهِر الفنان إبراهيم خليفة وجوه الفتاة والأم لقصدٍ وهدفٍ تقني صرف كما أعتقد، فصورهن ذاهبات لا تظهر وجوههن بوضوح. ولو صورت اللوحات من الأمام وهن قادمات لذهب تركيزنا نحن إلى الوجوه وخفت عندنا الخيال. هذه الوضعية التي اختارها الفنان إبراهيم خليفة تكشف عمق العلاقة بينهن من خلال لغة الجسد. وهي لغة معبرة فيها شيء من الغموض المحبب في الفن والكتابة، وهو يفعل ذلك ربما ليطلق خيال المشاهد. 

الأجساد في هذه اللوحات ناطقة ومتقنة وتغنينا عن انفعالات الوجوه، أضف إلى ذلك أن الفنان يصور العلاقة بين شخصين وجسدين أحدهما في طور النمو، والنمو حصيلة الزمن، والزمن عادة يتقدم إلى الأمام. ما أعجبني في اللوحات أيضاً قدرتها على الاستحواذ على حواس المشاهد وإطلاق خياله في عدة اتجاهات. 

والفنان إبراهيم خليفة متعاطف مثل كل الفنانين المستنيرين عادة مع المرأة، وهو تعاطف ناجم عن وعي بدورها، وبصفاتها، وعطائها، وبمشاعرها الفياضة، وبصبرها وجلدها وتفانيها في تنشئة الأولاد وبناء المجتمع. وهذا التعاطف أيضاً هو سببٌ آخر للإجادة والإتقان، فعندما يرسم الفنان لوحته بحب ومشاعر جياشة وصاخبة، وانفعال كبير يكون عطاؤه معبرًا ومؤثرًا على المشاهد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها