النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12180 السبت 13 أغسطس 2022 الموافق 15 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

متى يتعلم الإنسان الدرس من الطبيعة

رابط مختصر
العدد 11308 الأربعاء 25 مارس 2020 الموافق 30 رجب 1441

  • ما يقارب الشهرين والضيف الثقيل، فيروس كورونا، المزعج الذي يثير القلق والفزع

 

كلمة حق لا بد منها قبل أن نعرج على المقال، ولأن كلمة الحق تتزامن وتتوازى مع رسالة المقال، هذه الكلمة فرضتها، أدبيًا ووطنيًا وموضوعيًا الإجراءات الاستباقية المبكرة التي بادرت بها حكومة البحرين، ويجري تطبيقها بمهنية تنفيذية عالية وبروح عالية من المسؤولية الوطنية لمواجهة الفيروس الوارد إلينا من خارج الوطن. تحملت القيادة مسئوليتها الوطنية أمام الشعب في كله الوطني، ومدت أذرعها لإنقاذ المواطن في داخل الوطن وخارجه، ولم تبخل، لا بالمال ولا بالجهد، من أجل الحفاظ علي سلامة الإنسان وصحته واطمئنانه النفسي، في هذا الوطن العزيز على أبنائه والمضياف للوافد إليه. وضعت الحكومة أمامها أولوية أمام جميع المهمات الأخرى وهي سلامة الإنسان وصحته على أرض البحرين. والشهادة التي لا يطالها شك ولا جرح على كلمة الحق هذه، هي إشادة منظمة الصحة العالمية بالإجراءات السليمة والفاعلة التي اتخذتها حكومة البحرين، ونصحت بقية الدول اتباع نهج حكومة البحرين في تصديها لفيروس كورونا. إن شهادة منظمة الصحة العالمية هي كلمة الحق التي تحمل الشكر والتقدير، وحتى الإعجاب، بحكومة البحرين التي نجحت في احتواء الهجمة القاسية من هذا الفيروس المتطفل القاتل. وإذا ما نظرنا إلى مستويات تفشي الفيروس وتسارع انتشاره في دول عظمى وكبرى مثل أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا، عندها نشعر بالفخر لما قامت به حكومتنا ونجحت فيه مقارنة بمن هم أكبر منا وأكثر تقدمًا وعلمًا وسطوة وقوة. فهذا الكيان الصغير في حجمه أثبت أنه كبير في قدراته، ونافس الكيانات الكبيرة والعظمى في التصدي للنائبات الكبيرة.

منذ ما يقارب الشهرين والضيف الثقيل، فيروس كورونا، المزعج الذي يثير القلق والفزع و الرعب مازال يقض مضجع شعوب العالم، ويحد من النشاط الاجتماعي ويشل النشاط الاقتصادي ويربك الحكومات ويضاعف من مسئولياتها الوطنية والعالمية. كورونا وباء يشل أنشطة الإنسان في جميع القارات، وهذه الحالة الوبائية تقتضي إجراءات مضادة واحتياطات وقائية ليس فقط على المستوى الوطني بل علي المستوى العالمي، أي ضرورة وضع اليد باليد، وتعطيل جميع الخلافات السياسية والمعارك الاقتصادية، ووضعها جانبًا بغية التفرغ لمواجهة العدو الفيروسي الذي لا يفرق بين إنسان وإنسان، بين عدو وصديق في دائرة علاقة الإنسان بالإنسان.

«رُبَّ ضارةٍ نافعة»، مَثَلٌ دارج بين الخاصة والعامة من الناس في عالمنا العربي، وأكاد أجزم أن كل الشعوب في العالم دون استثناء تتعزى،عندما تحل عليها نائبة أو كارثة، بالمثل ذاته، ولكن بتعبيرات مختلفة حسب البنية الثقافية لكل مجتمع. لا شك أن الوباء، إذا ما حل على الإنسان، فإنه سيكون من أشد الكوارث فتكًا فيه، خاصة وأنه لا تمييز عنده بين الإنسان والإنسان، والمكان والمكان، والصديق والعدو في دائرة العلاقة بين الناس. والأَمْرُ الأَمَرُّ في كوارث الوباء أن جيوشه وأسلحته غبر مرئية، وأدواته بكتيرية أو جرثومية أو فيروسية، وهي في منتهى الصغر وأدنى في الصغر من الصغير. عندما عصف الوباء بشعوب العالم بهجمات متكررة عبر العصور فإنه لم يميز بين دولها التي كانت تعيش في حالة عداء مستمر ومتواصل، ولكن الذي فعله الوباء بهم وفيهم لم تستطع الجيوش الجرارة بأسلحتها الفتاكة ومهاراتها القتالية العالية واستراتيجيتها الحربية الذكية أن تحدث جزءًا من جزء ما فعلته أدوات الوباء غير المرئية. من المفترض وبناءً على قاعدة «ربَّ ضارةٍ نافعة»، خاصة وأن العدو واحد ضد الكل دون استثناء، أن يكون الوباء حافزًا للتعاون بين الدول في مواجهة العدو المشترك، ولكن الذي يحير ويؤلم هو استمرار بعض الدول، وخاصة الكبرى والمتشبهة بالكبرى، في اتباع نهج السلوك ذاته في إطار العلاقات الدولية دون أي اعتبار للمصيبة المشتركة. في المجال السياسي استغلت بعض منابر الإعلام السياسي حالة الوباء للتنديد والتشويه المتبادل بين الخصوم، وفي المجال الاقتصادي تتحرك بعض المراكز الكبرى عالميًا في صناعة الأدوية للترويج باعتبار الوباء فرصة لصناعة مضاد واستثماره تجاريًا، وتركم الربح مضاعفًا على الربح في مزبلة الأرباح، وخارج دائرة صناعة الأدوية تتصارع بعض القوى الاقتصادية تجاريًا حول السلعة، خاصة الاستراتيجية منها، التي يتنافسون بها في السوق العالمية. البلاء الأكبر الذي لازم الإنسان منذ نشأته هو صراعه الداخلي والعداء الدائم الذي لم تخف حدته، بل أن العداء آخذ في التصاعد إلى مستويات كارثية، والدليل على ذلك سباق التسلح الذي وصل إلى درجة خلق الحروب، وإضافة البيولوجيا الميكروبية (بكتيريا وفيروس) في الترسانة العسكرية، واقتصاديًا، من أجل تعاظم الربح، فقد برزت صناعة نوعية جديدة لم تعهدها البشرية من قبل وهي صناعة الفقر، وطبعًا السياسة هي الذراع التخطيطي والآمر التنفيذي لهذا البلاء البشري.

تتوالى على الإنسان موجات دورية من الوباء البكتيري والفيروسي وتحصد ضحايا من البشر، ومن ثم تعود أدراجها لتختفي في سبات زمني إلى أن تستيقظ من جديد ذات يوم من الزمان لتثير الفزع من جديد في الإنسان وتتغذى على ضحايا البشر، وهكذا دواليك، حركة دورية مثل دورة الشمس بين الشروق والغروب، وفعل الوباء في الإنسان، إذا تفحصناه بدقة ودرسناه بجدية، هو درس لنا في مادة التعاون بمعناه الشامل، وطنيًا ودوليًا، ولكن يبدو أن الإنسان بعد لم يستوعب الدرس. واضح، بالبعد المجازي القريب من الواقعي، أن الطبيعة وهي أمنا، حريصة علينا وتخاف علينا من مساوئنا فينا وعلينا، وتبعث إلينا من يعلمنا ويربينا ويهذب سلوكنا بزرع روح التعاون فينا وإزالة روح العداء منا، ولكن إلى اليوم، رغم التقدم الحضاري، لا حياة لمن تنادي. الإنسان بكل جبروته وذكائه وترساناته العسكرية التي بامكانها تدمير كامل الكرة الأرضية بمن وما عليها، عشرات المرات، عاجز أمام فيروس ميكروبي حقير. وتؤكد الوقائع المقارنة عبر التاريخ، بين قدرة الإنسان الحضارية أمام قدرة الفيروس الطبيعية، أن حضارة الإنسان أوهن من بيت العنكبوت. فهل هناك أمل أن يتعلم الإنسان الدرس قبل أن ينتحر، أي قبل أن ينزلق الإنسان إلى هاوية حرب الدمار الشامل، ذاك الدمار الذي سيدفن الكائن البيولوجي الذكي الوحيد، وبعد دفنه سيموت التاريخ.

والتاريخ وليد الوعي في الوجود، وليس الوجود المجرد، وهذا الوعي مازال منهكًا بلوثة الكبرياء، وهذا الكبرياء هو الحاجز المانع بين وعي الإنسان واستيعاب دروس الطبيعة... فقل على الإنسان السلام إذا لم يحطم هذا الحاجز الذي يمنع عليه الانسجام مع الطبيعة...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها