النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11755 الإثنين 14 يونيو 2021 الموافق 3 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:11AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

قرار حظر التجوال بأيدينا

رابط مختصر
العدد 11307 الثلاثاء 24 مارس 2020 الموافق 29 رجب 1441

في الأسبوع الماضي وضعت وزيرة الصحة فائقة بنت سعيد الصالح أمام الرأي العام عدة حقائق لا يمكن إلا نتوقف عندها في هذه الظروف الاستثنائية عندما تحدثت عن المرحلة المقبلة.

بالطبع الوزيرة لم تعقد مؤتمرًا صحفيًا بحضور مسؤولين حكوميين وأمنيين كي تجاملنا، بل لتضعنا كشركاء حقيقيين فيما يمكن تسميته اليوم بخارطة الطريق للتعامل مع عدو اسمه كورونا- كوفيد 19. وعندما نتحدث عن الشراكة اليوم، فالأمر ليس شعارات براقة نستطيع أن نزين بها صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كي نبدو أمام متابعينا بصورة أفضل، بل قرار نحن من نتخذه وليس الدولة. ويخطئ من يعتقد اليوم أن هناك دولة قادرة على التعامل مع هذه الجائحة عبر كوادرها الطبية، او سخاء حكومي إزاء الميزانيات الصحية، بل الشعب هو صاحب القرار. وهو القادر على العبور بوطن بأكمله من هذه المرحلة.

لقد تعاملت البحرين مع المرحلة الأولى، وهي مرحلة تحديد المصدر فور تسجيل أول حالة مصابة بالمرض. وبالطبع لم يكن لدينا سوق للحيوانات للبرية يستوجب إغلاقه - كما حدث في الحالة الصينية - بل شكلت عودة مواطنين من دول تفشى فيها المرض المصدر بالنسبة للبحرين، أي كان المصدر مرتبط بالعودة من السفر من واجهات محددة وليس محلي، واتخذت السلطات حينها كافة الاجراءات والاحترازات لتقييد فرص العدوى الناتجه عن «المصدر» عبر إجراءات نعملها جمعياً. لكن هل هذا كان كل شيء؟

بالطبع لا، الذي حدث هو الانتقال الى المرحلة الثانية، وهي مرحلة تحديد المصابين بالمرض والمخالطين لهم، وهذا ما استدعى اتخاذ إجراءات عديدة من قبل وزارات الدولة المعنية تهدف لتقليل فرص الخروج من المنزل مثل تقييد التجمعات، وإغلاق الاماكن التي تزيد فيها فرص تجمعات الناس، وإلغاء معظم الفعاليات رغم الفاتورة القاسية على القطاعات الاقتصادية، والتي سارعت الدولة لإطلاق حزمة مالية واقتصادية سخية للتعامل مع تداعياتها على المتضررين. 

وهنا يأتي السؤال ماذا تريد الدولة من كل ذلك؟ ما تسعى اليه أي دولة اليوم سجلت فيها حالات الاصابة بهذه الفيروس هو الوصول الى (peak) أي الذروة لحصر اعداد المصابين، وحصولهم على الرعاية الطبية اللازمة، والقضاء على فرص العدوى عبر المخالطة كي نصل الى المرحلة الثالثة، وهي عدم تسجيل حالات جديدة عبر المخالطة محلياً، وانحصار اعداد المصابين كي يستطيع النظام الصحي أن يقدم الرعاية الطبية اللازمة لجميع المصابين دون الضغوط المترتبة على تسجيل حالات جديدة عبر المخالطة. وهي مرحلة لم نصل اليها بعد.

لكن ما الذي يحدث الآن واقعياً على الارض؟ لنعترف أن سلوكيات مجتمعية غير مسؤولة هي التي تتسبب اليوم بتسجيل حالات جديدة ناتجة عن المخالطة،وهو أمر بالغ الخطورة عندما يقوم افراد بالاستهتار بما نمر به تحت مبرر اعتبارات لمناسبات اجتماعية تتحول فعلياً لبؤر لانتقال العدوى بين الناس. وهذا الوضع برمته يلقي بالضغط على السلطات الصحية مهما بلغت من جاهزية واستعدادت طبية. وهذا ما حاولت وزيرة الصحة ايصاله للرأي العام عندما لم تستبعد حدوث طفرة باعداد المصابين الجدد، وكذلك تهيأتنا لامكانية اضطرار السلطات الصحية لتقديم الرعاية الطبية داخل المستشفيات فقط للمصابين الذين يواجهون مضاعفات. وهو حديث واقعي لا نستطيع إلا أن ننحاز للمنطق في تفاصيله.

دعونا نقولها بصراحة، ماذا لو لم نتجاوز هذه المرحلة بسبب ممارساتنا؟ سيرتفع اعداد المصابين عبر المخالطة، ولن يستطيع النظام الصحي استيعاب جميع المصابين، فستضطر السلطات الصحية لإعطاء الاولوية للحالات الحرجة، واذا استمرت حالات الاصابة عبر المخالطة بالارتفاع، فسوف تتغير الاولويات وفق المعطيات على الارض، والمستمدة من تقديرات طبية واقعية. في المقابل سوف يؤثر هذا الضغط على الخدمات الصحية المقدمة ايضا للمرضى المصابين بأمراض أخرى بسبب الضغط على الكوادر الطبية. وهذا ما حدث تماماً في الحالة الايطالية خلال أسبوعين فقط من الزمن بسبب الاستهتار المجتمعي الذي أدى الى انهيار النظام الصحي والذي اضطر تحت ضغط تزايد اعداد الاصابات للتعامل مع الوضع وفق تقديرات طبية لم تتوقف فقط عند اعطاء الاولوية للحالات الحرجة فحسب، بل ذهبت لتقديرات أكثر ألماً، وهي الرعاية الصحية لمن لديه فرص أكثر للصمود!.

أجزم أن لا أحد في هذا البلد، وبين أفراد الشعب البحريني الطيب والحضاري يريد أن يكون سبباً بالضغط على النظام الصحي، او حرمان أحد من فرصته العادلة بالرعاية والعلاج والحياة. ولا أحد يريد أن يأخذنا نحو خيارات الحالة الاردنية، وهي أول دولة عربية اضطرت لفرض حظر التجوال وإنزال الجيش في الشوارع، وإغلاق المحال لأن الكثير من الناس هناك للأسف تعاملوا مع اجراءات الدولة الاردنية للتضيق على فرص انتقال العدوى -عبر تعطيل المدارس والدوائر الرسمية و...الخ- كإجازة للترفيه في ربوع الوطن، وإقامة حفلات الزفاف، وصلاة الجماعة في الساحات على سبيل المناكفة، فسارعت السلطات هناك لوضع حدٍ لكل ذلك عبر حظر التجوال. وهو قرار اتخذته ممارسات الناس قبل الدولة. ومهما بدى المشهد قاسياً في تفاصيل الحياة اليومية، لكنه لإنقاذ الناس من أنفسهم. وكي لا يأتي يوم نودع أحباءنا لأننا كنا جزءًا من المشكلة، بدلاً من أن نقوم بواجبنا ونكون جزءًا من الحل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها