النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11494 السبت 26 سبتمبر 2020 الموافق 9 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:29PM
  • العشاء
    6:59PM

كتاب الايام

الاتحاد الحلم (3)

رابط مختصر
العدد 11307 الثلاثاء 24 مارس 2020 الموافق 29 رجب 1441

سنواتٌ طوال قضيتها في وزارة الخارجية، وعملتُ في محطات عديدة داخل وخارج مملكة البحرين، وعلى مدى تلك السنون تخزَّن في ذاكرتي كمّ هائل من المعلومات والأحداث السياسية الحسَّاسة، فعكفتُ منذ (مارس 2015م) على استعادة أحداث التاريخ وتحليل الوقائع التي عايشتُ تفاصيلها لتوثيقها في سطور من خلال مئات المقالات المنشورة، لأنقل من خلالها رؤية سياسية وعلمية وتاريخية متخصّصة من شخص تشرَّب العمل السياسي والدبلوماسي.

أكّدتُ في جزء كبير من تلك المقالات على أهمية (مجلس التعاون) وضرورة التمسّك به كمنظومة اتحادية تعزِّز الأمن القومي الخليجي من شماله في الكويت إلى جنوبه في سلطنة عُمان، آخذًا في الاعتبار التجارب السابقة والأخطاء التي عرَّضت الأمن الخليجي للخطر، ومن أهمها التدخّل الإيراني في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون، والمؤامرة (الأمريكية الأوروبية القطرية) ضد الأنظمة الخليجية القائمة باستغلال أحداث ما يسمّى بالربيع العربي، والضغوطات السياسية والاقتصادية والعسكرية الهائلة على مستوى العلاقات الثنائية أو من خلال أجهزة الأمم المتحدة المتخصصة كمجلس حقوق الإنسان ومنبر الجمعية العامة للأمم المتحدة فيما تدَّعيه من انتهاكات دول مجلس التعاون للمبادئ الرئيسية لحقوق الإنسان كالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير.

ولم تكن مهمة التوثيق والتحليل سهلة وهيّنة، فالإفصاح عن بعض المعلومات والأحداث له ما له من الإحراجات في بعض الحالات، كما أن الحقائق المتغيّرة والسرعة الهائلة لتقلّب الأحداث وما يتبعها من ردود أفعال متباينة على كافة المستويات، وحاجة التحليل السياسي المجرَّد من دقة متناهية في حساب انعكاس تغيّر تلك الأحداث على الأوضاع السياسية عمومًا وعلى كيفية معالجتها عند الانفجار، تطلَّب منّي بذل جهد يفوق التصور، فعملتُ جاهدًا في سبيل تقديم المعلومة الدقيقة والموثوقة ووضعها في إطار علميّ بحت لتكتمل صورة المشهد السياسي ولتتحقَّق القراءة الموضوعية للتاريخ احترامًا للقارئ الذي يبحث عن الحقيقة الصافية.

لقد كان قدري أن أعيش حياتي العملية في عين الأحداث السياسية، شاهدًا وسامعًا وطرفًا في النقاش حول الكثير من الأحداث الجسام التي غيَّرت مجرى التاريخ منذ سبعينيات القرن الماضي، لذلك لَم أترك ما مرَّ أمامي يطويه النسيان، فجمعتُ كُل ما سطَّرتَهُ من مقالات في كتب ثلاثة هي كتابيّ (الخليج العربي بين المصالح والتحديات بجزئيه الأول والثاني)، وكتاب (قطر الواقع المرّ) وصدرت جميعها عن دار الأيام للنشر والتوزيع في (أكتوبر 2018م)، وهدفتُ من خلالها إلى تحليل أحداث تاريخية عايشتُ تفاصيلها لحظةً بلحظة، وتطلَّب توثيقها وكتابتها جهدًا نفسيًا وذهنيًا عظيمًا، ليقيني التامّ بأن من واجباتي الوطنية تجاه الوطن والتاريخ أن يكون بين أيدي الأجيال القادمة مصدرًا موضوعيًا جامعًا لكل ما مرَّ بالوطن العربي والخليج العربي -تحديدًا- من أحداث.

 فمنذ سبعينيات القرن الماضي والخليج العربي يعيش على فوهة بركان لتأثيرات الجوار الإقليمي وصراع المصالح في المنطقة، والهادفة لبسط السيطرة ومَدّ النفوذ الذي أدى إلى حروب كارثية كانت شرارتها الأولى نجاح الثورة الخمينية ذات الأهداف التوسعية في (فبراير 1979م)، وتلتها الحرب العراقية الإيرانية في (سبتمبر 1980م)، ثم الغزو العراقي على الكويت عام (1990م)، والغزو الأمريكي على العراق (2003م)، وليس انتهاءً بغليان المنطقة بفوضى مؤامرة (الربيع العربي) في نهايات (2010م)، حيث طغت الفتنة الطائفية على كل قيم التسامح والتعايش والتضامن وقبول الآخر، لتعيش منطقة الخليج والأمة العربية في نفقٍ مظلم طويل زاده ظلمةً الظروف الصعبة التي تمر بآخر معاقل الوحدة العربية ونموذجها الأوحد وهو (مجلس التعاون لدول الخليج العربي) بسبب العبث والمغامرات السياسية القطرية!

لذلك -وكما ذكرتُ في مقاليّ السابقين- بأن الظروف التي طوَّقت منطقة الخليج، استدعت الحاجة لأن يطرح المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود خلال قمة الرياض في (ديسمبر 2011م) اقتراح انتقال مجلس التعاون من (مرحلة التعاون) إلى (مرحلة الاتحاد)، إلا أن الاجتماعات والنقاشات اللاحقة للمؤتمر عبَّرت بوضوح عن اتجاهات أربع حول فكرة الاقتراح، تركَّزت في الآتي:

1. تخوّفت بعض دول المجلس من الفكرة، التي جاءت -بحسبهم - مفاجئة واعتبرت أن بها توجهًا سياسيًا، خصوصًا وأن المجلس لم يستطع طوال الثلاثين عامًا الماضية التغلّب على أبسط المعوقات في سبيل الوحدة، وأن الاتحاد هو استبدال لمجلس التعاون!

2. رأت دول أخرى أن فكرة الاتحاد لم تأتِ بهدف التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء إطلاقًا، إنما هي تنفيذ للهدف الأسمى من تأسيس مجلس التعاون عام (1981م) حسبما نصَّت عليه المادة الرابعة من نظامه الأساسي، فالمجلس سيبقى الأساس الذي ستُبنى عليه الانجازات، وأن الآليات الجديدة للاتحاد سوف تسهِّل وتسرِّع العمل فيما تمّ الاتفاق عليه مسبقًا في العمل الخليجي المشترك كالعملة كالاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والعملة الموحَّدة.

3. عبَّرت دول أخرى عن احترامها وتقديرها لوجهات نظر بعض دول المجلس، وأكَّدت على أهمية الورقة السعودية التي تنقل العمل الخليجي إلى آفاق أوسع وأرحب، ألا أنها رأت أن الآراء المطروحة حول الاقتراح جاءت متسرّعة وسبقت تبلور النقاش في موضوع (تطوير عمل مجلس التعاون) الذي يجب ألاَّ يتوقف خصوصًا وأنه في بداياته.

4. رأي آخر اتجه إلى أن اجتماعات الهيئة المُكلَّفة بدراسة الاقتراح هي فرصة جيدة للتشاور وتبادل الآراء وطرح الأفكار حول تطوير عمل المجلس، وهناك مساحة واسعة للاتفاق، وأن فكرة (الاتحاد الخليجي) هي فكرة سياسية طموحة وإيجابية، ألا أن هناك إحباطات على أرض الواقع تجب معالجتها ابتداءً، نظرًا لوجود الكثير من الأمور التفصيلية الدقيقة التي لم يتمّ التوصل إلى اتفاق حولها!

وفي ضوء مواقف دول مجلس التعاون من فكرة (الاتحاد الخليجي)، وبالنظر للرؤية العميقة للمملكة العربية السعودية صاحبة الفكرة، وبتقييم الموقف الإقليمي والدولي آنذاك، وعند تحليل كل ذلك تحليلًا سياسيًا دقيقًا، فإنه يمكن الانتهاء منها إلى الآتي:

1. إن كل ما طُرح من مداخلات ورؤى ومقترحات حول فكرة (الاتحاد الخليجي) خلال اجتماعات الهيئة المُكلَّفة بدراسته يُعدّ إضافة مهمة للرؤية السعودية حول شكل الاتحاد المقترح، والتي يمكن البناء عليها كأساس، نظرًا للشمولية والعملية في الجوانب الخاصة بالتنظيم، والموضوعية القابلة للتطبيق.

2. يتملَّك بعض دول المجلس التخوف من انتهاك سيادتها الوطنية واستقلالها في اتخاذ القرار فيما يخص مواقفها السياسية في علاقاتها الثنائية عمومًا، وعلاقتها مع إيران خصوصًا.

3. كانت هناك مخاوف متوقعة لرد الفعل الإقليمي والدولي من (الاتحاد الخليجي)، والتي كانت بحاجة إلى تحرّك دبلوماسي وسياسي واسع لتوضيح أهداف قيام الاتحاد.

وبعد عرض وتحليل المواقف الخليجية تجاه فكرة (الاتحاد الخليجي) من خلال مقالات (الاتحاد الحلم) بأجزائه الثلاثة، وفي ظل المرحلة الدقيقة التي يعشيها الخليج والعالم، فإنه من الضروري العمل بشكل عاجل وجاد على الآتي:

أولاً: المراجعة الصريحة لكل ما يشوب العلاقات الخليجية الخليجية من منغصات، وضرورة أن تتحمَّل جميع دول الخليج مسؤوليتها في تفادي انهيار مجلس التعاون كمنظومة إقليمية ناجحة حقَّقت الكثير من الإنجازات واستطاعت أن تشكِّل ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا دوليًا له تأثيره ومكانته، وذلك عبر إعادة بناء جسور الثقة المفقودة، ومعالجة المتغيرات الكثيرة والجذرية التي طرأت على علاقاتها بدول الإقليم، خاصة إيران والعراق اللتين تمثلان صورة قبيحة للتدخل في الشؤون الداخلية ومراكز لتصدير أعمال العنف والإرهاب الطائفي المدعوم من القوى الكبرى ذات المصالح في المنطقة، والتي لابد من معالجتها بحنكة دبلوماسية عند الشروع الجدي في الانتقال من (مجلس التعاون) الذي نشأ في ظروف ورؤى مختلفة إلى (الاتحاد الخليجي) بعد الأحداث التي زلزلت كيان الأمة العربية عام (2011م).

ثانيًا: التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة الأعظم في عالم اليوم ولعقود قادمة، وضبط هذه العلاقة كونها الأساس الذي يقوم عليه الأمن الخليجي، والقوة التي تحدّ من الأطماع والتهديدات الإيرانية في المنطقة والمتحكّمة في ممراتها الاستراتيجية في مضيق هرمز وباب المندب بالبحر الأحمر. 

ثالثًا: إعداد الخطوط العريضة للتعامل مع إيران، وترتيب علاقاتها المعقدة مع عدد من دول المجلس، والنظر في تأثير تلك العلاقات على أمن الخليج وعلى ما يحدث بالداخل الخليجي، وانعكاس القرصنة البحرية الإيرانية على الامدادات النفطية وخطوط الملاحة الدولية.

وخلاصة القول، فإن (الاتحاد الخليجي) هو في واقع الأمر (قوة الارتباط الأساس) لدول الخليج العربي، بأدواتها (رابطة الدم والأخوة والدين والتاريخ والثقافة والاقتصاد والمصير المشترك)، وهي في مجملها الضامن الأكيد والوحيد لرفع مكانة المجلس الإقليمية والدولية ومصدر أمنه واستقراره واستمرار بقائه، وكان الأمل كبيرًا للوصول إلى (الاتحاد)، إلا أن عدم اتفاق دول المجلس على ماهية (الاتحاد الخليجي) المنشود، ولا على رَسم سياسة خليجية خارجية موحَّدة، واختلاف رؤاها حول تحديد المصالح وتشخيص التهديدات الأمنية المحدقة بها، والسياسات المتباينة تجاه إيران رغم وجود قرارات سياسية سرية تؤكِّد وحدة هذه المواقف، إضافة إلى الأزمة القطرية التي زادت الأمور تعقيدًا، جعل من (الاتحاد الخليجي) حلم بعيد المنال بكل أسف!

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها