النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

قصة النادلة سارة درس في الأخلاق

رابط مختصر
العدد 11301 الأربعاء 18 مارس 2020 الموافق 23 رجب 1441

تطرقت في مقال «عجز المعاجم أمام بعض الكلمات» إلى محدودية المعاجم في سبر غور بعض أو كثير من الكلمات، وتلك الكلمات التي يمتد معانيها خارج حدود الذهن، وتخرج من سور العقل لتطرق أبواب الشعور في واقع الحياة من خلال العلاقات المعقدة بين الإنسان والإنسان. العلاقات بين الناس والتي تقتضيها الحياة وتفرضها على جميع الناس، فردًا فردًا دون استثناء، هي المصدر المعين والمرجع الواقعي لاستخلاص معاني الكلمات من جميع جوانبها، المباشرة وغير المباشرة، العقلية والنفسية، وحتى تلك المبهمة التي تتأرجح بين الذهني والنفسي. وهكذا معاني لا تستوعبها مساحة القواميس والمعاجم، بل هي ملك للواقع المعاش ولا توجد إلا في ثنايا وزوايا قصص من واقع الحياة. قصص الناس، وحتى الحيوان، في معترك الحياة، في خضم قعقعة الأدوات وجعجعة الوسائل، وتسابق الأهداف وتنافس الأطماع، هي الدلو لدل المعاني من أعماق آبار الكلمات، وهي الوحي والإيحاء لحاملي القلم المبدع في رسم لوحات من ألوان الكلمات في تشكيلات بلاغية مؤثرة للوقائع والأحداث والعلاقات من مجرى تهافت الإنسان في الحياة من أجل الحياة. قصة واقعية، من نَفَسٍ بين زحمة الأنفاس تشع بنورها على عالم المعاني، تعلمنا درسًا في «الأخلاق»، وهذا الدرس هو المعنى الذي يشع من خارج أسفار المعاجم، وهو الدرس الذي تتلقفه أدوات الثقافة والفكر والأدب، لبثه بين الناس دعوة إنسانية إلى مكارم الأخلاق، ومكارم الأخلاق فضاء من المعاني يسع فضاء الكون، ومتعددة المعاني بتعدد الكائنات الحية كلها، ويستحيل على كتب الأدب ومخطوطات الأسفار ودعاوى الوعاظ وأفكار الفلاسفة أن تستوعب كامل حلتها وكمال جمالها، فهي التي ببقائها يبقى الإنسان، وبهجرها وهجرتها يزول الجنس البشري. مكارم الأخلاق هي الأم الحنون الراعية في قصة الوجود. 

إنها قصة النادلة سارة، سارة أم في أسرة متواضعة تلامس قدرتها المعيشية حدود مملكة الفقر، تعمل نادلة في مطعم يؤمه زبائن من طبقات اجتماعية تتأرجح بين ذوي الدخل المحدود ومن هم في أدنى السلم الطبقي. وبالمعنى الاجتماعي - الطبقي، زبائن من تحالف الطبقات العاملة التي تعرض في سوق العمل طاقتها العملية المنتجة لكسب قوت يومها، وتنتقي بين صنوف الطعام، وهي أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، صنفًا مقدورًا عليه، أو بغية توفير قدر من القروش لغرض ملح أو ليوم أكثر سوادًا من يومه. هذا هو التعريف الواقعي والصادق للمطعم الذي تعمل فيه النادلة - الأم سارة. مطعم بالقياس الفندقي أعلى من نجمة واحدة وأدنى من ثلاث نجوم. على هذه العتبة من السلم الطبقي التي تعمل فيه النادلة سارة يمكننا أن نخمن دون عناء حسابي، بما يقارب الحقيقة، كم تستلم سارة من راتب مقابل جهدها الخدماتي في هذا الكوخ الاقتصادي، فلا شك أن راتبها محدود مقطوع بالكاد يفي لإطعام أسرتها وإطعام نفسها لتجدد طاقتها للعمل، وهذا هو واقع حالها في معترك الحياة من أجل الحياة، الحياة في حدها الأدنى من تلبية حاجة مع تلذذ ناقص غير مكتمل تفقد الحاجة لذتها. دخل إلى المطعم رجل وزوجته، وجلسا في ركن لا يلفت الأنظار، فاتجهت إليهما النادلة سارة وضعت أمامهما قائمة الطعام ووقفت مبتسمة تنتظر طلبهما، نظر الرجل إليها والحرج بادٍ على وجهه، وقال إنهما يريدان طبقين من أرخص الأطباق، لأنهما لا يملكان المال الكافي كونهما لم يستلما الراتب منذ أشهر بسبب مشكلة مالية في الشركة التي يعملان فيها. وخلاصة القصة أن سارة استوعبت قصة الزوجين ووعت جيدًا حالتهما الاجتماعية، وشعرت في أعماق نفسها أن واجبًا لا بد أن يتحرك من ذاتها لملء فراغ الحاجة عند الزوجين، ولإرضاء ضميرها الحاضر المتحفز دائمًا، والضمير يتغذى على الاستجابة للواجبات الإنسانية والالتزام بمكارم الأخلاق. انطلق الواجب الأدبي أولاً منها، من أول نظرة من الزوج المحرج قبل التفوه بكلمة. أدركت أن مجرد التعاطف معهما والتألم لحالهما لا يفي واجبها (الإنساني) تجاههما، فكان لا بد من الارتقاء من الواجب الأدبي إلى الواجب الأخلاقي، من المجرد إلى الواقع، من الحس إلى اللمس. قدمت لهما سارة طبقين أفضل مما طلبا، وعندما جاءت لحظة الدفع، قالت سارة إن الثمن مدفوع، وإن الطبقين هدية منها لهما... إن كرم سارة، واستجابتها لرجاء الضمير في أعماقها كان أعلى من قدرتها المالية، فهي بذاتها ليست في حال أفضل من حال الزوجين، فكلهم من طينة طبقية واحدة ويتزاحمون في قارب واحد، وهي بهذا الكرم، بتوجيب نداء الضمير، قد اقتطعت جزءًا مما وفرت لشراء غسالة، ولكنها وبحساب الواجب، الذي لا يمكن حسابه، فضلت تأجيل حاجتها إرضاءً لضميرها، فأعطت الأولوية لحاجة الزوجين أمام حاجتها الملحة. زميلتها في العمل وبّختها، ولكنها لم تعر التوبيخ أهمية، لأنها لو لم تلبِّ حاجة الزوجين وبّخها ضميرها، فأين توبيخ الإنسان من توبيخ الضمير؟ الضمير بوصلة الأخلاق في ذات الإنسان، بينما الإنسان الذي يأبى سماع الضمير فإن فكره بوصلة تشير دائمًا في اتجاه المصلحة الأنانية... بعد انتهاء العمل عادت سارة إلى بيتها وهي راضية النفس باسمة مرتاحة البال يحف بها وحولها شعور بالنبل الصافي الطاهر؛ عاد الزوجان، بعد أن شكرا سارة -على كرمها الأصيل- إلى البيت ولسان حالهما يغرد في النفس أن العالم مازال بخير، وعادت زميلة سارة إلى بيتها وهي شبه حانقة ومحتارة من أمر سارة وغاضبة على زميلتها الفقيرة الكريمة. السعادة غمرت قلب سارة وقلب الزوجين، ولكن التي لم يكن لها شأن في الأمر، حرمتها حيرتها وغضبها على سارة وانشغالها بما لا يعنيها من السعادة. 

القصة قصيرة، أحداثها محدودة، أبطالها أربعة، في حيز ضيق من الزمان والمكان، ولكنها درس في مكارم الأخلاق، وتنوير لموضع السعادة الحقة بين الضمير والأخلاق، دون محاضرات ولا نصوص من مخطوطات صفراء أو حمراء؛ ولا أحد يدري ما هو دين الأبطال... انحصرت القصة في لزوم ما يلزم من تلبية نداء الضمير إحقاقًا لحق الأخلاق علينا... إن كان لنفسك عليك حق، فإن للأخلاق عليك حق أعظم... أضافت القصة بعدًا حسيًا يتخطى ويتجاوز التعريف المعجمي لكلمة «أخلاق».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها