النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11415 الخميس 9 يوليو 2020 الموافق 18 ذو القعدة 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الحب في زمن الكوليرونا

رابط مختصر
العدد 11299 الإثنين 16 مارس 2020 الموافق 21 رجب 1441

مفردة «الكوليرونا» مركبة من كلمتي الكوليرا والكورونا لعلها تفي بغرض المقالة وما لها من دلالات. عشت مثل كل جيلي السبعيني نسمع عن قصص الماضي حول سلسلة من الامراض كالجدري والطاعون والكوليرا وغيرها، ولكننا لم نعشها ونشهدها، رغم أن ذاك الزمن، كان شاحبًا بإمكانياته الصحية والاعلامية والاتصالات السريعة، ولكنها على مدار عقود متتالية ظل جيل بعد جيل يتوارث رعبها وقصصها عبر الفنون والآداب والتراث المكتوب والثقافة الشعبية الشفاهية المتناقلة. شكلنا صورًا في المخيلة حتى جاءت الرواية والسينما، لتجسدا لنا مشاهد قرى وشعوب يتساقط فيها الناس في الشوارع من جراء رعب وباء الطاعون والكوليرا وسواها من جوائح رهيبة. لم أحظَ بقراءة رواية الطاعون الصادرة ما بين (1946-1947) للروائي الفرنسي الوجودي البير كامو، ولكنني قرأت عنها كثيرًا تحليلات وعروض تفصيلية – وسأتوقف عندها لاحقًا لأهميتها وترابطها وعلاقتها بما يجرى في يومنا لكارثة الكورونا – غير أنني قرأت لعدة مرات رواية غارثيا ماركيز الحب في زمن الكوليرا، لما لها من جاذبية رومانسية ودعابة هائلة كعادة كاتب كبير ساخر كماركيز وشاهدت الفيلم نفسه، حيث يمتزج الواقع المرير بالسحر والفانتازيا، بنكسة الحب في بدايته للشاب (فلورينتينو) العاشق الموله، بفتاة من الاعيان الكولومبي (فيرمينا داثا) في وقت كان هو مجرد شاب بسيط وموظف محدود في شركة تلغراف في المدينة، حمى الحب تبدأ بالتوازي المبكر مع إصابة البلاد بالكوليرا، ليدخلنا الكاتب في أجواء تشابه الاعراض لحمى الحب والكوليرا فتختلط الحالة عند العاشقين لمجرد اصابتهما بأعراض «الحب» الشبيه بأعراض «الكوليرا» والعكس هو الصحيح، كتشابه حالة الحمى والتقيئ، غير إن الحقيقة والاحداث والعاطفة الجريحة تستمر لأكثر من نصف قرن، بالتزامن مع استمرار عودة الكوليرا في زمنين مختلفين، حيث البلاد بل والقارة الفقيرة، كثيرًا ما عاودها وداهمتها الاوبئة القاتلة، كما ربض على جسدها انظمة فاسدة ودكتاتورية. 

في نهاية الرواية يستغل العاشق العجوز الوضع الجديد بخلاف الماضي المحزن، فالآن أصبح لديه فرصة التصرف كرجل اعمال ثري وفاسد، ليمنح شيخوخة حبه، الذي استيقظ فجأة مع حادثة الموت المفاجئ لزوجها الطبيب (خوفينا)، ليلتهب الحب القديم بقوة، فيجدها فرصة لمفاتحة الارملة اثناء التعزية، فيعرض عليها رغبته في الزواج منها كحقيقة لذاك الحب الدفين المتقد، فقد عاش معه طويلا ذلك الحب كحمى دائمة وقاتلة، كما هي حمى الكوليرا. 

في ذروة الزمنين وتداخلهما الماضي والحاضر، لتكرار وباء الكوليرا في الرواية، يوظف ماركيز مشهد الرعب على صفاف نهر ماجدالينا الكبير في كولومبيا، حيث تمخر سفن شركة العاشق العجوز النهر وحوض الانتيل، بعد ان تحول الى ثري من اثرياء المدينة الجدد، فقد كان يتصور أن الثراء والمال وحده من يقربه لقلب تلك الفتاة، التي تخلت عنه لكونه انسان وموظف بسيط. يراوغ المجتمع فلا يهمه التعاطف والالتزام بحمى الكوليرا، فقد عادت له حالة حمى الحب الطويل لنصف قرن، اختزلها وعاشها في اربعة ايام هي رحلة السفينة ذهابًا وإيابًا، حيث رفع باحتيال على صارية السفينة العلم الاصفر كشفرة ان السفينة تحمل على ظهرها مرضى مصابون بجائحة الكوليرا ولا يمكنه التوقف وحمل المزيد من الضحايا. فكتب ماركيز: «كانا يشعران وكأنهما قد اجتازا جلجلة الحياة الزوجية الصعبة، ووصلاً دون لف ولا دوران الى جوهر الحب. كانا ينسابان بصمت كزوجين قديمين كوتهما الحياة، الى ما وراء خدع العاطفة، الى ما وراء حيل الاوهام القاسية وسراب خيبة الامل: الى ما وراء الحب. لقد عاشا معًا ما يكفي ليعرفا أن الحب هو أن نحب في اي وقت وفي أي مكان، وإن الحب يكون أكثر زخما كلما كان أقرب إلى الموت». 

وقد كتب الشاعر الاسباني خوسى كارثيا نيثيو قائلاً «ربما يكون أهم ما في الحب في زمن الكوليرا هو تلك الحيرة، التي نجد انفسنا غارقين فيها منذ بداية الرواية حتى آخرها. وعلى هذا يمكن المراهنة على النجاح الأكيد وخلود واحدة من افضل روايات القرن (العشرين) المكتوبة باللغة الاسبانية». 

تنتهي الرواية بجمالية الحوار بين القبطان وفلورينتينو وسبيل الخروج من ورطة راية الكوليرا، التي ادخلوا أنفسهم فيها. حين قال القبطان والى متى تظن باننا سنستطيع الاستمرار في هذا الذهاب والاياب الملعون؟ فأجاب فلورينتينو - بتماسكه الذي لا يقهر وحبه الراسخ - مدى الحياة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها