النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12179 الجمعة 12 أغسطس 2022 الموافق 14 محرم 1444
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:43AM
  • الظهر
    11:43AM
  • العصر
    3:13PM
  • المغرب
    6:17PM
  • العشاء
    7:47PM

كتاب الايام

الدمار الشامل بين الإنسان والفيروس

رابط مختصر
العدد 11294 الأربعاء 11 مارس 2020 الموافق 16 رجب 1441

ما دمنا نعيش أجواء فيروس كورونا، بكل ما يحمله من رعب اجتماعي وهلع فردي وأثر اقتصادي وجهد علمي - طبي مضاد واستثمار سياسي - إعلامي سمج ساذج، وفي وقت تتركز فبه الأنظار والاهتمام إلى هذا الفيروس الزائر غير المرغوب فيه، وهو ضيف قد فرض نفسه علينا دون دعوة مسبقة، و ما الزائر بضيف بمقتضى علاقات عائلية أو اجتماعية توجب الزيارات المتبادلة، بل الزائر غازٍ قاسٍ فتّاك لا يعرف الرحمة وليس بضيف مرحب به تفرش له سجاد أحمر. لنحول الأنظار والفكر، بكل ما يحمل من معرفة ووعي وآمال وهواجس، إلى المضيف (الإنسان) نفسه ومقارنته بالضيف الغازي. إن غزو فيروس كورونا وانتشار جنوده وغرس رماحه فينا وشل نشاط الحياة فينا، إن هو إلا موجة عابرة تمر علينا مثل موجات الجراد أو الأمطار والعواصف، أو الفيضانات والأعاصير والزلازل، يبدأ الغزو وينشط ويقتل وينتهي دون أن يدمر، في مسافة زمنية محدودة وعدد محدود من الضحايا دون المساس بكيان الإنسان في كليته، فهذا الأثر الذي تتركه هذه الموجات الطبيعية ليست في مستوى الدمار الشامل، الذي قد يمتد إلى شبه انقراض أو انقراض كامل للجنس البشري وتدمير كل ما بناه الإنسان من بنيان حضاري. ليس بمقدور الهجمات الفيروسية لوحدها إحداث فعل الدمار الشامل للإنسان ولحضارته التي هي نتاج ألوف السنين، وحتى فرضاً، لو تشكل تحالف بيولوجي بين عدد من الفيروسات والميكروبات الضارة لغزو الجنس البشري والقضاء عليه ومحوه من سطح الأرض، فإن أثر انقراض هذا الجنس البيولوجي الذكي (الإنسان) لا يمس شعرة من الصرح الحضاري الذي بناه الإنسان، ينقرض الإنسان وتبقى جميع منجزاته الحضارية على كامل تراب الكرة الأرضية، وكذلك تلك الصروح التي شيدها الإنسان تحت سطح الأرض. يبقى البيت الحضاري، ولكنه بيت مهجور آيل، على مدى الزمن وبفعل النشاط الطبيعي، إلى السقوط والتحلل، وتعود تربة الأرض إلى سابق عهدها من الطهر والصفاء والخضرة والجمال مثلما كانت قبل ولادة الجنس البيولوجي الذكي. فالدمار الفيروسي - البكتيري، إن حصل افتراضًا، ليس بالدمار الشامل الآني والمباشر، بل أن الدمار الشامل، بعد انقراض الإنسان، يكون بطيئًا على مدى ألوف السنين. افتراضيًا هذا هو أقصى ما يمكن أن تفعله الفيروسات، بينما الإنسان الذكي، اليوم وهو في قمة منجزاته العلمية والصناعية والفلسفية والحضارية، يربض على خزينة متجددة ومستدامة من أسلحة الدمار الشامل، ذاك الدمار الذي بإمكانه محو الإنسان مع كامل بيته الحضاري من الكرة الأرضية في ومضة من الزمن... الإنسان، الذي يهاب فيروس كورونا، يمسك بيده أدوات ووسائل انقراض ذاته وتدمير كل ما بنى، دون حاجة إلى عدو بيولوجي أو عدو من كوكب آخر. من المفارقات العبثية والمضحكة - المبكية والتراجيدية المكنونة أن الفيروس والبكتيريا، بأنواعها وأجناسها، هي جزء من الترسانة العسكرية التي يمتلكها الإنسان لتدمير الإنسان. هذا الإنسان، الذكي - الغبي، ينشط عقله لبناء رؤية مستقبلية ورسم إستراتيجيات معقدة وتدبر تكتيكات متعرجة من منظور محاربة أخيه الإنسان بغية استعباده والهيمنة على موارده و شل إرادته، وجعل العلاقة بينه وبين أخيه كالعلاقة بين العابد والمعبود. من أجل تحقيق هذه الرؤية العبثية - الكارثية يجهد نفسه في تطوير أسلحة تخل بميزان القوة بينه وبين أخيه الإنسان، تؤمن له بطش التفوق.

مع ولادة الإنسان من رحم الطبيعة، خرج التاريخ من رحم الواقع الجديد وفتح دفتر سجلاته ليسجل نشاط هذا المولود الجديد في عالم الطبيعة. منذ اليوم الأول، لهذه الولادة المشؤومة، والتاريخ يسير في خطين متوازيين، خط الإنسان وخط السلاح، لأن الاثنين عالمان، كل يسير بخط سير خاص به رغم العلاقة التفاعلية بينهما. فأصبح للإنسان تاريخ، وللسلاح تاريخ، إن الذي اقتضى فصل تاريخ الإنسان عن تاريخ السلاح، هو لأن هذا السلاح، الذي هو من نتاج الإنسان، هو الذي سيقضي على الإنسان ويحكم عليه بالانقراض، فمن حق هذا السلاح، الذي هو بمثابة عزرائيل الجنس البشري، أن يرسم له خط تاريخي لذاته. 

ودون الخوض في دهاليز التاريخ، يكفينا أن نخرج من سجلاته حقائق تقارن سلاح الإنسان بسلاح الفيروس والوباء، على مدى شهر حصيلة ضحايا فيروس كورونا لا تتعدى ثلاثة آلاف إنسان على رقعة جغرافية كبيرة، مع عدد من المرضى أقل من مائة ألف إنسان تحت رحمة العلاج، ونظام المناعة عند المرضى، والمتوقع أن هذه الهجمة ستنتهي خلال شهر أو شهرين، بمحصلة محدودة من الضحايا دون دمار، بينما الفيروس النووي للإنسان فعل ما يجعل فيروس كورونا ملاكًا أمام فيروس الإنسان... القنبلة النووية (فيروس الإنسان) على مدينة هيروشيما قضت في ثانية واحدة على ما يقارب المائة ألف إنسان و دمرت المدينة وجعلتها ركامًا ورماد، وتلتها قنبلة ثانية على مدينة ناجازاكي، وفي ثانية واحدة محت مائة ألف إنسان من الوجود وسوت المدينة بالأرض.. وانتشر الوباء النووي على رقع كبيرة من أرض اليابان وأصبحت غير صالحة لا لحياة الإنسان ولا النبات، ولهذا السبب كان لا بد من خط تاريخي منفصل لفيروس الإنسان (السلاح)، فيروس الدمار الشامل. بعد سبعين عام من الكارثة النووية في اليابان، لم يرتدع الإنسان، بل تمادى في غيه وغلوه و طور النووي واستحدث أسلحة أكثر فتكًا وأشمل دمارًا، والفيروسات والميكروبات أضحت جزءًا من سلاح الدمار الشامل. الآن، حسب التقديرات العلمية و الدراسات الإستراتيجية وباعتراف الدول العظمى، فإن الأسلحة التي بحوزة كل دولة (عظمى) بإمكانها تدمير العالم أكثر من مائة مرة... (يا للغباء والعبث - هوس السلاح). 

إذًا فان الفيروس الذي يمكنه أن يقضي على الجنس البشري ويدمر حضارته عن بكرة أبيها، هو فقط فيروس الإنسان نفسه، وليس أي فيروس أو بكتيريا أو جرثومة أخرى، وما يفعله الإنسان مع رياح الفيروسات الطبيعية، التي تهب علينا بين حين وآخر، ومع وجود أسلحة الدمار الشامل، كمن يركز نشاطه في معالجة الزكام، متناسيًا مرض السرطان، الذي زرعه بنفسه في ذاته، والذي ينخر فيه، وقد يتفجر هذا المرض السرطاني المتمثل في أسلحة الدمار الشامل في أية لحظة، نتيجة خطأ في الذكاء البشري أو قرار منفرد من الذكاء الصناعي.. 

ملكة الذكاء عند الإنسان تحمل في داخلها جرثومة غباء انتحاري... والانتحار الذاتي آت، إن آجلاً أو عاجلاً، إن لم يعالج الإنسان مرض السرطان (سباق التسلح) الذي زرعه في نفسه.. ومن أجل إنقاذ نفسه من هذا السرطان، لا بد له أولاً من استئصال جرثومة الغباء الانتحاري الذي يعشش في مملكة ذكائه..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها