النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11891 الخميس 28 اكتوبر 2021 الموافق 22 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    4:59PM
  • العشاء
    6:29PM

كتاب الايام

الاتحاد الحلم (2)

رابط مختصر
العدد 11293 الثلاثاء 10 مارس 2020 الموافق 15 رجب 1441

  • العالم يعيش صراعات وأزمات وتطورات سريعة ومتلاحقة تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على دول الخليج

 

رغم أنه يُعَدّ التجربة الوحدوية العربية الوحيدة الناجحة بعد تجارب عربية عديدة فاشلة، ورغم اعتباره الطريق الصحيح نحو بناء المستقبل الجديد للأمة العربية بما حقَّقه من إنجازات عظيمة على صعيد المواطنة الخليجية والاندماج الشعبي وحرية ممارسة الأنشطة المختلفة والمشاريع التنموية التي تنصبّ جميعها في صالح الخطوات الوحدوية الساعية للوصول إلى الوحدة الاقتصادية المعزِّزة لموقع المنطقة كمركز مالي واستثماري واقتصادي عالمي، إلا أنه وبعد مسيرته التي قاربت من عمرها (39)، فإن (مجلس التعاون) بحاجة للتقييم الشفاف والموضوعي لمسيرة عمله، ومراجعة نظامه الأساسي الذي مَـرَّ بمراحل صعبة ومهمة قبل التوصل إلى نصَّه النهائي الذي أقرَّه قادة دول المجلس في (25 مايو 1981م)، والعمل على تطوير آليات عمله لمواكبة المستجدات العالمية والإقليمية، خصوصًا وأنه لم يعد يلبّي الحدّ الأدنى من تطلعات وطموحات مواطنيه.

فلا يمكن للجمود أن يحقّق نتيجة تُذكر، خصوصًا وأن العالم يعيش صراعات وأزمات وتطورات سريعة ومتلاحقة تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على دول الخليج التي تعيش أزمة مؤسفة منذ (يونيو 2017م) بسبب السياسات القطرية التي أطاحت بأهم أسس التعاون الأمني والدفاعي بين دول مجلس التعاون بعد استعانة دولة قطر بالقوات التركية على أراضيها وما يشكِّله ذلك من تهديد خطير على أمن ومستقبل المنطقة عمومًا.

لذلك؛ فإن الظروف المحيطة تستدعي أن يتجاوز مجلس التعاون كل الصعوبات والتحديات القائمة ويتعامل معها بصيغة اتحادية تحقق الأهداف وتبعد المخاطر، وهذا يعيدنا إلى اقتراح المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود الذي طرحه خلال قمة الرياض في (ديسمبر 2011م) والمتضمِّن انتقال مجلس التعاون من (مرحلة التعاون) إلى (مرحلة الاتحاد)؛ لإدراكه -رحمه الله- بأن واقع الحال يتطلَّب البحث عن صيغة جديدة تزيد من ترابط دول المجلس وتحقق تطلعات وآمال شعوبه.

وعلى إثر ذلك الاقتراح، وما نتَج عند عرضه من ردود أفعال متحفّظة من قِبل بعض الأطراف الخليجية - كما ذكرتُ في مقالي السابق - فقد تمَّ تشكيل هيئة متخصصة لدراسته من كل جوانبه في ضوء الآراء التي تمَّ تبادلها بين القادة خلال القمة، وضمَّت هذه الهيئة ثلاثة أعضاء من كل دولة وعقدت اجتماعين في (فبراير 2012م)، واتضحت الصورة خلال هذين الاجتماعين، وذلك بعد أن تباينت الآراء حول مفهوم (الاتحاد الخليجي) وما إذا كان الوصول إليه في ذلك التوقيت ضرورة ملحّة تحتم العمل السريع في ظل الانكشاف الاستراتيجي لدول مجلس التعاون والتطورات المتسارعة وسياسات بعض القوى الإقليمية والدولية في المنطقة، وصيغته المنشودة، حيث تلخّصت الآراء في هذا الشأن في طرح أربع أفكار هي:

 أولاً: الاتحاد الكونفدرالي: ويقوم هذا الطرح على أن النجاح في الانتقال بدول مجلس من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد يتطلَّب ابتداءً عدم الانشغال بالخيارات الصعبة، والعمل على تنفيذ الخيارات الممكنة التي تتمثَّل في تطوير التعاون الحالي من (حالة كونفدرالية ضعيفة) إلى (حالة كونفدرالية قوية وصلبة)، وتكمن في هذا الأمر خطوة مهمة تسبق الوصول للاتحاد الفيدرالي، فتحتفظ كل دولة بسيادتها ونظامها السياسي ودستورها وحكامها وإدارة شؤونها الداخلية، على أن تنشأ مؤسسات اتحادية تُعنى بخدمة المصالح الجماعية لدول الاتحاد في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من المجالات التي ترغب دول المجلس في تعزيز التنسيق بشأنها، مثل:

1. إنشاء (مفوضية للشؤون الخارجية) تكون مسؤولة عن قضايا الشؤون الخارجية ذات الطابع المشترك إقليميًا ودوليًا.

2. تكوين (جيش خليجي موحَّد) لتفعيل العمل العسكري المشترك لمواجهة الأخطار التي تحيط بأمن المنطقة.

3. إنشاء (قوة أمنية موحَّدة)، وفق ضوابط محددة للتعامل مع أوضاع قد تتطلَّب تدخلاً مشتركًا مباشرًا.

4. تشكيل (سياسة اقتصادية موحَّدة) عبر استكمال كل الملفات الاقتصادية العالقة في الاتفاقية الاقتصادية الموحَّدة التي تمّ التوقيع عليها عام (1981م) والتي نصَّت المادة الثامنة منها على المجالات التي يتعيَّن تحقيق المواطنة الاقتصادية والمساواة في المعاملة فيها وهي: (حرية الانتقال والعمل والإقامة، وحق التملّك والإرث والإيصاء، وحرية ممارسة النشاط الاقتصادي، وحرية انتقال رؤوس الأموال). 

ثانيًا: اتحاد الراغبين: إن الأساس في تعاطي دول مجلس التعاون مع التحديات التي تواجهها هو العمل بشكل جماعي إيمانًا منها بوحدة الهدف والمصير المشترك؛ لذا كانت وجهة نظر بعض دول مجلس التعاون بأن لدى كل دولة من دول المجلس عوامل خاصة مثل تركيبتها السياسية وتفاوت درجة انكشافها الاستراتيجي وظروفها الداخلية، الأمر الذي ينعكس على درجة تقدير كل دولة لمدى حاجتها بالدخول في الاتحاد في المدى القريب أو المتوسط، وهذا الذي يعني أن هناك دول بالمجلس لا ترغب في الانضمام إلى الاتحاد لأسباب متعددة خلاف ما ذكرته أعلاه، وهي -كما أعتقد- أسباب تتعلَّق بالسيادة الوطنية. لذلك فإن الدول التي تبنَّت هذا الطرح لا ترى ما يمنع من إنشاء الكيان الاتحادي الجديد من الدول الراغبة في الانضمام إليه مع الإبقاء على مجلس التعاون الحالي بنظامه الأساسي والإداري القائم حاليًا، وهذا يعطي الفرصة للدول غير المنظمَّة في الاتحاد، الانضمام إليه مستقبلاً متى رأت الوقت مناسبًا لها وإذا ما تحقَّق لهذا الاتحاد من نجاحات.

ثالثاً: بقاء مجلس التعاون بصيغته الحالية: ويفترض هذ الطرح أنه ما زال أمام مجلس التعاون الكثير، فهو لم يستنفد أغراضه بعد، وأنه على الرغم من أن دول المجلس لديها الرغبة في التعاون الجدّي والأكثر قوة وفاعليه نتيجة المتغيرات التي مرَّت بها الأمة العربية بسبب الربيع العربي، إلا أن عدد منها قد تكون غير راغبة أو جاهزة للتنازل عن بعض سلطاتها السيادية وصلاحيتها لأي كيان اتحادي جديد، كما أنه لا توجد دولة من دول المجلس لديها تصوّر متكامل وواضح للانتقال من (مرحلة التعاون) إلى (مرحلة الاتحاد)، وأن الوقت لم يحن بعد للخروج من عباءة المجلس الفضفاضة وإنشاء كيان اتحادي جديد؛ لأن المجلس -وفق هذا الطرح- أثبت فائدته في الأزمات إلا أنه لم يكمل تحقيق أهدافه الكبرى، وأنه يمكن تحقيق الاتحاد الخليجي عبر المجلس الحالي، خصوصًا مع مرونة النظام الأساسي الذي يسمح بالمزيد من التنسيق بين دول المجلس وصولاً إلى وحدتها؛ لذا فإن الدول التي ذهب إلى هذ الطرح ترى أهمية استكمال وإنهاء الملفات العالقة لدى المجلس وعدم حرق المراحل والقفز إلى مرحلة جديدة في الوقت الحاضر.

رابعًا: تغيير مسمى مجلس التعاون: رأى البعض أن قيام الاتحاد هام واستراتيجي، إلا أنه في واقع الحال والظروف فإن تنفيذه يجب أن يتم وفق مراحل قد تمتد لعقدين أو ثلاثة، ووفق هذا الطرح فإنه من الممكن إنشاء (اتحاد الحد الأدنى) وليس (اتحاد الحد الأقصى)، فالممكن فورًا هو إدخال تعديل إجرائي لا يمسّ المضمون ولا يؤثر على جوهر التعاون القائم، بأن يتخذ قادة دول مجلس التعاون قرارًا بتغيير مسمى (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) إلى (اتحاد دول الخليج العربي)، وهذه خطوة قد تبدو شكلية في مظهرها ولكنها لا تخلو من عمق دلالاتها، فهي تبعث برسالة للداخل والخارج أبرزها:

1. أن لدى دول الخليج العربي مشروعها المستقبلي الجاد لبناء حصن منيع ضد المخاطر الخارجية ومواجهة التحديات الداخلية وبناء كيان اقتصادي متين.

2. تأكيد المسمى الجديد لعروبة الخليج في وجه الادعاءات والأطماع الإيرانية.

3. إن المجلس الجديد هو مركز للثقل الدبلوماسي والسياسي في المنطقة وصاحب دور عالمي سياسيًا واقتصاديًا.

 

وفي مقال الأسبوع المقبل سنتابع عرض ردود أفعال دول مجلس التعاون على المقترحات التي قدمتها الهيئة المعنيّة بدراسة اقتراح انتقال المجلس من (مرحلة التعاون) إلى مرحلة (الاتحاد الحلم)...

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها