النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11518 الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الموافق 3 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

صورة العربي في سرديات أمريكا اللاتينية (24)

رابط مختصر
العدد 11292 الإثنين 9 مارس 2020 الموافق 14 رجب 1441

نلتقي هنا بشخصية العربي في منطقة تشيلي برياض حلبي صانع الماء المقدس. تلك الشخصية العربية في روايات وقصص إيزابيل الليندي (لعدم الخلط سلفادور اليندي المعروف بقضيته عمها). تعتبر إيزابيل الليندي، المولودة في بيرو لعائلة تشيلية عريقة، واحدة من أهم الروائيات في أمريكا اللاتينية، كما أن كتبها من أكثر الروايات مبيعًا (طبعًا بعد ماركيز). وتعتبر روايتها «بيت الأشباح» أكثر كتبها حصدًا للجوائز، إلا أن روايتها «ايفا لونا» وبعض قصصها القصيرة تشكل شخصية من أصول عربية فعّالة: رياض حلبي. 

وردًا على سؤال وجه لها حول الرواية المشار إليها اعترفت إيزابيل: «توقفت في منتصف الرواية عاجزة، لأنني فقدت الشخصية الذكرية. حينها احتجت الى شخص يأتي، لينقذ إيفا لونا من هذه الحارة المسدودة، فظهر العربي رياض حلبي. أنا لا أعرف أحدًا مثلما أعرفه. ظهر في خيالي، وعندها جاء باسمه وبحضوره الفسيولوجي وبشفته الأرنبية. كان شخصية ثانية يجب أن تأتي لتنقذها فحسب، لكنه نما حتى أصبح بطلاً، وبعدها، انظر، ظهر من جديد في قصص إيفا لونا. كان اكثر قوة مني. غلبني لإرهاقي، أو لقوة حضوره». وبالفعل الشخصية التي بنتها الراوية تتمتع بحضور قوي في العمل، حيث تؤدي دور الحامي أولاً والعاشق بعد ذلك للبطلة. 

تصف إيفا نفسها في السرد كيف تعرفت على العربي عندما كانت كائنًا بلا قبلة، منصهرة في العالم القذر الخاص بأرضها. «في يوم من تلك الأيام، في السادسة مساء تعرفت على رياض حلبي. كنت اقف على ناصية، وكان يمر من نفس الرصيف، فتوقف عن السير وتأملني. رفعت وجهي لأرى رجلاً في منتصف العمر، مكتنز الجسد، بعينين خجولتين وجفون غليظة». 

هكذا تدخلنا إزابيل في اللقاء الاول لشخوصها، فالوافد العربي يأخذها معه في سيارته حتى الدكان الذي يمتلكه في قرية أغوا سانتا. ومن هنا تبدأ الرواية في سرد حياة الشخصية الرئيسة، ومن هنا نجد بوابة الدخول التي وظفتها ايزابيل الليندي، لتصف وافدًا من اصول عربية استوحته من الواقع المحيط بها. 

ورغم أن الرواية في العديد من صفحاتها تهتم بحياة شخصية التاجر العربي، إلا أن العبارات الموجزة الأولى بليغة: «رياض حلبي كان من هذه الكائنات التي هزمتها الشفقة. كان محبًا للآخرين، حتى إنه كان يجنبهم ألم النظر الى فمه المشقوق، ودائمًا ما كان يغطيه بمنديل في يده، ولم يكن يأكل أو يشرب أمام الناس، ونادرًا ما كان يبتسم، كما أنه كان يحاول أن يجلس بعيدًا عن الضوء أو في الظل، حيث يمكن أن يداري عيبه. كان قد وصل للبلد وهو في الخامسة عشرة، وحيدًا بلا نقود، بلا أصدقاء، وبنظرة سائح مطبوعة في جواز سفره التركي المزيف، الذي اشتراه أبوه من قنصل يتاجر في الجوازات بالشرق الأدنى. جاء بهدف تكوين ثروة وإرسال نقود الى عائلته، ومع انه لم يحقق الأولى، إلا أنه لم يكف عن فعل الثانية. ربى أخوته، ومنح عطية لكل أخت، واشترى لأبويه مزرعة زيتون، علامة الارتقاء الاجتماعي في أرض اللاجئين والمتسولين التي ترعرع فيها. وكان يتحدث الإسبانية بكل لهجاتها، لكن بنبرة صحراوية لا يمكن الالتباس فيها، ومن هنا أيضًا جلب حسن الضيافة والشغف بالماء». 

الشخصية العربية (رياض) مرسومة ككائن رحيم ونظيف تحتاجه البطلة لتشعر بالأمان، رجل يحب الغير مثير لمشاعر الود. هكذا اهتمت ايزابيل الليندي في نسيج سردها، وفي هذه الرواية كما في القصص الأخرى التي ظهر فيها رياض حلبي، نلحظ أنه أكثر شخصيات القرية احترامًا. مع أنه لم يصبح ثريًا لكنه حقق لعائلته وذويه حياة أفضل نتيجة لقرار الهجرة الى القارة البعيدة. وبالأموال التي يكسبها رياض في الأرض المضيفة يحصل لعائلته على التعليم ومهر الزواج والعمل الراقي اجتماعيًا. فتسلط الرواية الضوء على دور الهجرة في مساعدة الأرض الأصلية وهو هدف كل مهاجر. 

تهتم الراوية بطبائع العربي وولعه بالمساومة في البيع المتجول كخصلة تجارية، بصعوبة تحقيق ثروة في عاصمة تتسم بالمنافسة التجارية الحادة، لهذا يقرر البيع المتجول للسلع في القرى الداخلية بالبلد فتوقف في قرية (اغوا سانتا)، وهناك اصبح شخصًا محبوبًا من اللحظة الأولى. منذ بدايات حكايات رياض حلبي نلاحظ أن المهاجر كائن يتمتع بقدرة الاندماج: يقرر البقاء في القرية معتبرًا نفسه ابنًا أصيلاً لها وهكذا قبله سكانها. وهناك يقيم دكانا (حانوتا) أصبح «أكثر الدكاكين رواجًا في المنطقة، ومنه كان يمكن شراء كل شيء: مواد غذائية، أسمدة، مطهرات، أقمشة، أدوية، ولو غابت أي سلعة عن القائمة، كانوا يكلفون التركي (العربي) ليحضرها في رحلته المقبلة. كان الدكان يسمى (لؤلؤة الشرق) تكريمًا لزوليمة زوجته». نشعر بمناخ روائي، يذكرنا بذات السمات في كيف راكم الهنود والصينيون ثروتهم في تلك الأصقاع البعيدة بنفس الروح والمثابرة والصبر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها